بيروت - لبنان

اخر الأخبار

22 أيار 2024 12:12ص نتنياهو يزرع الريح ليحصد العاصفة

حجم الخط
من أبرز الصعوبات التي تواجهها الدول المتحاربة تتركز حول تحديد قرار إنهاء الحرب والخروج منها «منتصرة» أو بأقل الخسائر الممكنة.
انطلاقاً من هذا المبدأ المعتمد على الدروس والعبر التي استخلصها فلاسفة نظريات الحرب امثال حسن تزو وكارل فون كلاوزويتز من دراساتهما النظرية ومن تاريخ الحروب نقول بأنه يتوجب على القيادات ان تدرس الخطوة الاخيرة في مسار الحرب بنفس العناية والدقة التي درست فيها الخطوة الاولى لبدء الحرب. وهذا يعني بأنه لا يمكن ترك قرار انهاء الحرب للتطورات الميدانية او لحسابات الربح والخسائر التكتيكية، بل يجب ان يأتي القرار في خدمة تحقيق الاهداف السياسية للحرب، وبما يعني تحقيق «النصر ببُعده الاستراتيجي».
تواجه القيادة الاسرائيلية الآن صعوبات كبرى في بحثها عن كيفية إنهاء الحرب على غزة والتي بدأتها في السابع من تشرين اول عام 2023، والتي حددت اهدافها بالقضاء على حماس كمنظمة عسكرية وكإدارة حكم للقطاع، وبتحرير الرهائن، الذين اخذتهم حماس عند هجومها علىغلاف غزة. 
لقد سبق لي ان كتبت عدة مقالات في الاشهر الماضية تحدثت فيها عن عدم واقعية هذه الاهداف، وبالتالي صعوبة تحقيق «النصر» الذي تبحث عنه الحكومة الاسرائيلية برئاسة نتنياهو، وبشراكة من اليمين الاسرائيلي المتطرف. جاء عنوان افتتاحيتي في صحيفة «اللواء» بتاريخ 6 آذار بعنوان «اسرائيل تخسر الحرب استراتيجياً» والذي عدَّدت فيه مختلف المصاعب التي تواجهها اسرائيل سواء لجهة تحقيق اهداف الحرب، او لجهة تحديد موعد لإنهائها، ووقف كل الخسائر السياسية التي باتت تواجهها داخلياً ودولياً. 
كانت الولايات المتحدة الحليف والداعم الاساسي لإسرائيل قد بدأت بعد انقضاء الشهر الثالث للحرب تشعر بأن الحرب الاسرائيلية على القطاع قد استنفدت اغراضها وبأنه لا بد من البحث عن اجندة لإنهائها، فأوفدت لهذه الغاية في كانون اول من العام الماضي وزير دفاعها لويد اوستن مع رئيس اركان الجيش تشارلز براون الى اسرائيل لدعوة الحكومة لوقف الحرب الواسعة، والاستعاضة عنها بعمليات عسكرية جراحية. لكن القيادة الاسرائيلية قد أصرّت على شن هجوم واسع على مدينة خان يونس، انطلاقاً من قناعتها بضرورة تدمير قوة حماس هناك والعمل على استعادة الرهائن الموجودين مع يحيى السنوار في اقبية وانفاق هذه المدينة. انقضت مدة خمسة اشهر دون ان يتحقق اي شيء من هذه الرؤية الاسرائيلية، بالرغم من كل ما حملته من نتائج سياسية وعسكرية سيئة لدولة اسرائيل وحكومتها، ويتكرر نفس المشهد مع الاصرار الاسرائيلي لمهاجمة مدينة رفح، في غياب اية احتمالات لإنهاء حماس او العثور على الرهائن احياء، وهذا ما حصل بالضبط في خان يونس، وهو مرشح للتكرار بعد انتهاء عملية رفح، مع كل مخاطر اطالة الحرب وارتكاب المزيد من جرائم الابادة وتجويع شعب غزة، والعمل على ترحيله قسرياً عن ارضه، في وقت ترتفع فيه اصوات وزراء اليمين المتطرف بالدعوة للابقاء على احتلال غزة، وعودة المستعمرات الاسرائيلية اليها.
صدر التحذير الاميركي الاقوى من المغامرة في اجتياح رفح عن نائبة الرئيس الاميركي كمالا هاريس، والذي وصفته باجتياز «الخط الاحمر» من قبل الحكومة الاسرائيلية. يمكن لأسرائيل ان تحقق انتصارات تكتيكية محدودة، مقابل مواجهة خسائر سياسية كبرى داخلياً ودولياً، حيث ستتوسع النقمة الشعبية في الولايات المتحدة وفي اوروبا ضد اسرائيل، بالاضافة الى دفع اكثرية دول العالم الى الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهذا ما اظهره قرار الجمعية العمومية في الامم المتحدة بالدعوة لقبول السلطة الفلسطينية كعضو كامل في الامم المتحدة، بموافقة 143 دولة.
لكن لا يبدو بأن النصائح والدعوات الاميركية للحكومة الاسرائيلية حول مخاطر الهجوم على رفح او للبحث عن مخارج اخرى لمشكلة الرهائن، تمهيداً لوقف الحرب، والبحث عن حلول لازمة القطاع، في حسابات يعرف بخيارات «اليوم التالي».
في رأيي انه اعتباراً من كانون اول الماضي اقتنعت القيادة الاميركية بأن الحرب الاسرائيلية على غزة قد وصلت الى نقطة المصلحة الحدّية، بالنسبة لاسرائيل، او ما يعرف في نظرية الحرب بـ«النقطة القصوى» التي يمكن ان تحققها الحرب، والتي في حال تجاوزها، تنقلب المكاسب الى خسائر كارثية. يبدو الآن بعد الحرب المدمّرة والمستمرّة على كل محافظات ومدن القطاع والتي وصلت مؤخراً الى رفح بأن كثافة القصف الجوي والمدفعي المترافقة مع الهجوم البري المتكرر لم تقضِ على حماس كما تصوّر نتنياهو ومجلس حربه، حيث بدأت مجموعات من حماس بالتسلل الى وسط وشمال القطاع وشن هجمات مباغتة على مراكز قوات العدو وإنزال مزيد من الخسائر في صفوفها.
يطرح هذا الامر السؤال حول استمرار نتنياهو برفع شعار تحقيق النصر الكامل على حماس او حتى مطالبة وزراء اقصى اليمين بإبقاء الاحتلال للقطاع، واعادة بناء مستوطنات اسرائيلية دائمة فيه، ولا بد في هذا السياق من التساؤل عن مدى عقلانية هذه الطروحات، مع ظهور مؤشرات مؤكدة على امكانية تحوّل الوضع الميداني الى حرب استنزاف مكلفة الاثمان بالارواح وبالتكاليف المالية المباشرة وغير المباشرة، والتي قد تتراوح سنوياً ما بين 6 الى 7 مليار دولار. يطرح اصرار نتنياهو ووزرائه المتطرفين على رفض نصائح الادارة الاميركية باعتماد مقاربة عاقلة لوقف النار وإنهاء قضية الرهائن عن طريق التفاوض، مع ايجاد صبغة جديدة لحكم القطاع دون حماس، ضمن فكرة مخرج «اليوم التالي»، وكان الوزير غادي ايزنكوت قد اقترح في 20 شباط تغيير مسار الحرب، متهماً الحكومة بأنها باتت تتخبط في قراراتها، وسيؤدي ذلك الى الفشل في تحقيق اهداف الحرب في ظل غياب الرؤية الواضحة على المستوى الاستراتيجي، مقابل البحث عن انجازات تكتيكية بسيطة. اذا صحت اتهامات ايزنكوت هذه للحكومة في ادارة الحرب فإن الامور ستسير نحو العودة في غزة الى حالة «الستاتيكو» وبالتالي بقاء حماس في السلطة.
مع تمادي نتنياهو في الرضوخ لإرادة وزراء اقصى اليمين، ولأسباب سياسية خاصة ببقائه في رئاسة الحكومة تقدّم الوزير بني غانتز بخطة استراتيجية جديدة من 6 نقاط، مع امهال الحكومة حتى 8 حزيران لاعتمادها، مع التهديد بالاستقالة من مجلس الحرب. ويبدو ان النقطة الابرز في خطته تتركز على تشكيل تحالف دولي للمساعدة في حكم غزة. ورأى غانتز بأن «نتنياهو يقود المركب نحو الصخور».
سيؤدي مخطط غانتز الى زيادة الازمات التي تواجهها الحكومة وبالتالي احداث المزيد من الخلافات داخل مجلس الحرب، وسيواجه نتنياهو المزيد من المتاعب الناتجة عن الضغوط والانتقادات لسياسته في ادارة الحرب علىغزة. ويبدو بأن من اهداف استراتيجية النقاط الست ابداء الحرص على انهاء ازمة الرهائن، وبالتلاقي مع المطالب الشعبية الملحّة لانهاء هذه الازمة.
ويأتي في منزلة الاهمية القصوى بند «نزع السلاح» من حماس، بمشاركة دولية، وذلك كبديل لاستمرار الحرب وفشل الجيش الاسرائيلي في تحقيق ذلك.
تشكل استراتيجية غانتز قوة ضغط على نتنياهو، حيث تأتي من داخل مجلس الحرب، وعلى يد منافسه الاول لرئاسة الحكومة، وهي تتلاقى الى حد كبير مع الضغوط التي بدأ وزير الدفاع يوآف غالنت بممارستها على الحكومة، منتقداً خياراتها في ادارة الحرب، وحول مستقبل غزة. يبدو بأن رؤية غالنت لحكم غزة من دون حماس تلتقي بصورة عامة مع ما يطرحه غانتز. في حال رفض نتنياهو للتجاوب مع رؤية مخرج اعتماد ادارة محلية ورعوية دولياً فإن الحكومة ستكون مهددة بالسقوط بحيث ينطبق على نتنياهو القول «من يزرع الريح يحصد العاصفة» بدءاً من صدور مذكرة توقيف بحقه من المحكمة الجنائية الدولية.