بيروت - لبنان

اخر الأخبار

30 حزيران 2026 12:20ص تهدئة حزبية وبادرة حكومية

حجم الخط
في خضم المناخ السياسي المشحون الذي ساد الأيام الماضية، حملت الساعات الأخيرة مؤشراً يستحق التوقف عنده بهدوء، بعدما أكد قيادي في حزب الله ل «اللـــواء» أن لا تظاهرات في الشارع، ولا انسحاب من الحكومة، رغم إستمرار معارضة المفاوضات المباشرة وما أفضت إليه . وهو موقف يخفف منسوب التوتر الداخلي، ويبعث برسالة طمأنة إلى اللبنانيين القلقين من أن تؤدي الخلافات السياسية إلى اهتزازات أمنية أو مؤسساتية.
ولا يبدو هذا التطور معزولاً عن الجهود السياسية والدبلوماسية التي تكثفت في الأيام الأخيرة، سواء عبر الاتصالات الداخلية التي قادها الرئيس نبيه بري، أو من خلال المساعي الأميركية والعربية الرامية إلى حماية الاستقرار اللبناني، وتجنب أي تصعيد قد ينعكس سلباً على المفاوضات الجارية في واشنطن، ويضعف موقع الدولة اللبنانية وهي تفاوض باسم جميع اللبنانيين.
إن تجنب الشارع في هذه المرحلة ليس تنازلاً من أحد، بقدر ما هو استثمار في استقرار البلد. لبنان في وضعه المتردي الراهن لم يعد يحتمل المزيد من الانقسامات أو المواجهات الداخلية، فيما ينتظر آلاف من أبناء القرى الحدودية بدء الانسحابات الإسرائيلية، وتهيئة الظروف لعودتهم إلى منازلهم، وإطلاق ورش الإعمار.
ومن هذه الزاوية بالذات، تحرم التهدئة السياسية  نتنياهو من أي ذريعة إضافية للمماطلة  أو التذرع باضطراب الوضع اللبناني لتأخير تنفيذ الخطوات الأولى المطلوبة في مسار الانسحابات، كما تمنح المجتمعيْن العربي والدولي، وهذا الأهم، دليلاً عملياً على قدرة المؤسسات اللبنانية على إدارة خلافاتها ضمن الأطر الدستورية، بعيداً عن لغة التصعيد والتخوين.
وفي موازاة هذه الأجواء، برزت بادرة إيجابية أخرى تمثلت في توجه الحكومة نحو إعادة تنظيم العلاقات مع إيران، على أسس تحترم سيادة لبنان ومصالحه الوطنية، بما يساهم في طي صفحة التوتر التي رافقت أزمة السفير الإيراني في بيروت. وإذا ما عاد السفير الشيباني من طهران هذا الأسبوع، كما هو متوقع، وعقد لقاءات مع الرؤساء الثلاثة، فإن ذلك قد يشكل بداية لمعالجة هادئة للخلافات الدبلوماسية، بعيداً عن الضجيج الإعلامي و السياسي.
صحيح أن الخلافات حول ملفات أساسية ما زالت قائمة، وأن الطريق إلى الحلول النهائية لا يزال طويلاً، إلا أن مجرد تغليب منطق الحوار على منطق المواجهة، يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح. فلبنان يحتاج اليوم إلى تبريد الجبهات السياسية، وتعزيز موقع دولته، وتأمين أفضل الظروف لإنجاح أي مسعى يؤدي إلى تثبيت الاستقرار، واستكمال الانسحابات، وإعادة الإعمار.
إنها ليست نهاية الأزمة، لكنها قد تكون بداية مرحلة أكثر عقلانية، إذا أحسن الجميع التقاط هذه الفرصة والبناء عليها، بعيداً عن الحسابات الضيقة، وبما يضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.