في عيد الأب، أستذكر بكل اعتزاز تضحيات الآباء الذين أفنوا أعمارهم في سبيل بناء أسر متماسكة ومجتمع أكثر عدالة وإنسانية، الأمر الذي يجعل من الأب رمزًا لا يقتصر دوره على الأسرة فحسب، بل يمتد أثره إلى المجتمع بأكمله، بما يعكس عمق حضوره الإنساني ودوره المحوري في استقرار الحياة الأسرية والمجتمعية، وفي ترسيخ قيم التضامن والتكافل، وفي بناء أجيال قادرة على مواجهة تحديات الحياة بثقة وثبات.
فإن تكريم الآباء في هذه المناسبة هو تكريم لمسيرة طويلة من العطاء والصبر والتفاني، ورسالة وفاء لكل من حمل مسؤولية الأسرة بإخلاص، وكرّس حياته لتربية أبنائه على القيم النبيلة والاحترام وحب الوطن، وهو ما يمنح الأب مكانة خاصة في الوجدان الإنساني لا يمكن أن تتكرر، لما يمثله من نموذج حي للعطاء غير المشروط، والتضحية التي لا تُعلن لكنها تُثمر أجيالًا صالحة ومجتمعات مستقرة.
يبقى الأب في كل المجتمعات رمزًا للعطاء الصامت والتضحية المستمرة، فهو الذي يتحمل أعباء الحياة بصبر، ويمنح دون انتظار المقابل، ويزرع في أبنائه معنى الأمان والاستقرار، الأمر الذي يجعل من حضوره عنصر أمان وطمأنينة في حياة الأبناء.
وفي المقابل، وكما أن للأب دورًا محوريًا في بناء الأسرة، فإن للأبناء حقوقًا أصيلة تقوم على توفير الحب والاهتمام وغرس القيم الأخلاقية، واحترام كرامتهم الإنسانية، وتمكينهم من التعليم والمعرفة، بما يؤسس لجيل قادر على تحمّل المسؤولية وبناء المستقبل.
الأب هو ذلك القلب الذي يمنح دون أن يُطلب، ويضحي دون أن يُرى، ويحب بصمتٍ لا يُسمع. هو وطنٌ صغير نلجأ إليه كلما ضاقت بنا الحياة، فنجد فيه الأمان والطمأنينة. وفي حضرته تصبح الأيام أكثر هدوءًا.
أتوجه بهذه المناسبة بكل مشاعر المحبة والتقدير إلى والدي العزيز، الذي كان وما يزال السند الأول في حياتي، ومصدر الإلهام والقوة، وصاحب الأثر العميق في تكوين شخصيتي ومسيرتي العلمية والمهنية، وهو ما يجعل من حضوره عنصر بناء دائم لشخصيتي. فرغم انشغالاته المهنية ومسؤولياته الكبيرة، بقي حاضرًا في تفاصيل حياتي اليومية، يحيطني بحبه واهتمامه وتوجيهاته الحكيمة، فهو نقطة التوازن التي أعود إليها في لحظات التحدي والنجاح، ومصدر الطمأنينة الذي لا يغيب.
لقد تعلمت منه أن القوة الحقيقية لا تكمن في السلطة أو النفوذ، بل في التمسك بالمبادئ، والوقوف إلى جانب الحق مهما كانت التحديات، وأن الثبات الأخلاقي هو أساس النجاح الحقيقي في الحياة.
وختامًا، كل عام وجميع الآباء بخير.
المحامية رنا عمر زين
*باحثة قانونية في قضايا حقوق الانسان