في الدول التي تحترم نفسها، لا تحتاج السلطة إلى وقت طويل كي تحدد موقفها عندما تُقصف أراضيها ويُقتل مواطنوها وتُباد عائلات بأكملها. فالبديهي أن يكون الرد السياسي موازياً لحجم العدوان، أما في لبنان، فيبدو أن المشهد يسير في اتجاه معاكس تماماً.
ففي الوقت الذي كان فيه الجنوب يعيش واحدة من أكثر الليالي دموية منذ أشهر، وكانت صور الأطفال والنساء والشهداء تنتشر على الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي، انشغلت السلطة بالتحضير لجولات تفاوض جديدة، وكأن ما يجري على الأرض لا يستدعي حتى وقفة احتجاج سياسية.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس حول المفاوضات بحد ذاتها، بل حول توقيتها ومعناها السياسي. كيف يمكن لسلطة تدّعي تمثيل اللبنانيين أن تتصرف وكأن شيئاً لم يحدث فيما تُستهدف قرى لبنانية ويُقتل مدنيون لبنانيون؟ وكيف يمكن أن تستمر الاستعدادات للجلوس إلى طاولة التفاوض من دون أي موقف تصعيدي، أو حتى التهديد بالانسحاب منها احتجاجاً على ما جرى؟
المشكلة ليست فقط في الذهاب إلى المفاوضات، بل في الذهاب إليها من موقع المتلقي لا من موقع صاحب الحق،ويبعث برسالة سلبية مفادها أن دماء الضحايا لا تكفي لتعديل موقف سياسي.
ما يثير الاستغراب أكثر هو أن السلطة لم تحاول حتى استثمار الغضب الشعبي والإنساني الناتج عن هذه المجازر لتحسين موقعها التفاوضي فلم نسمع عن تهديد بتجميد المفاوضات، ولا عن اشتراط وقف الاعتداءات قبل استكمالها، وكأن المشكلة أصبحت في كيفية إنجاح المفاوضات، لا في كيفية حماية اللبنانيين.
إن أبسط ما كان يمكن القيام به هو إعلان واضح بأن استمرار الغارات واستهداف المدنيين يجعل أي حديث عن مفاوضات أمراً فاقداً للمعنى، فالدولة التي لا تجعل من كرامة مواطنيها ودمائهم أولوية، تفقد تدريجياً قدرتها على إقناعهم بأنها تمثلهم.