المعادلة الصعبة بين المفاوضات والمقاطعة
حجم الخط
مع بدء الإستعدادات لتشكيل الوفد اللبناني إلى المفاوضات العسكرية في البنتاغون الخميس المقبل، يتقدّم سؤال أساسي إلى واجهة النقاش السياسي: ماذا لو قرّر لبنان عدم الذهاب إلى هذه المفاوضات تحت وطأة التصعيد الإسرائيلي المستمر جنوباً؟ وهل يمتلك فعلاً خيارات بديلة قادرة على حماية سيادته وتخفيف الضغوط عنه، أم أن المقاطعة ستفتح الباب أمام تداعيات أكثر تعقيداً داخلياً وخارجياً؟
من حيث المبدأ، تبدو حجة المعترضين على المشاركة مفهومة سياسياً وشعبياً، إذ يصعب على أي دولة أن تدخل مفاوضات أمنية فيما تتعرض أراضيها لغارات وعمليات عسكرية يومية، بما يوحي وكأن التفاوض يجري تحت النار والإكراه. غير أن ترجمة هذا الاعتراض إلى قرار بالمقاطعة تضع لبنان أمام مجموعة خيارات محدودة ومرهقة في آن واحد.
الخيار الأول يتمثل بالتصعيد الديبلوماسي عبر اللجوء المكثف إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة والدول الراعية لوقف إطلاق النار، مع تحميل إسرائيل مسؤولية نسف المسار التفاوضي. إلا أن التجارب السابقة أظهرت أن هذا المسار، رغم أهميته القانونية والسياسية، يبقى عاجزاً عن فرض وقائع ميدانية جديدة ما لم تقترن الضغوط الدولية بإرادة أميركية حقيقية للضغط على تل أبيب.
أما الخيار الثاني، فهو الرهان على تثبيت معادلة الردع الميداني ورفع سقف الضغوط غير المباشرة على إسرائيل لدفعها إلى تخفيف عملياتها العسكرية. لكن هذا الخيار يحمل مخاطر واضحة، لأن أي توسع للمواجهة قد يجر لبنان إلى حرب استنزاف طويلة في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية على خلفية الحرب الإيرانية وتداعياتها المستمرة، فيما الأولوية الداخلية ما زالت منصبّة، بعد الإنسحابات، على إعادة النازحين إلى بلداتهم، وإطلاق ورشة الإعمار، واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والمالي.
ويبقى الخيار الثالث، وهو الأخطر، أي الاكتفاء بسياسة الانتظار ورفض التفاوض من دون امتلاك بديل عملي. ففي هذه الحالة، قد يجد لبنان نفسه خارج مسار صناعة القرار الدولي المتعلق بالوضع الحدودي، ما يمنح إسرائيل فرصة اتهامه بالتعطيل ورفض الحلول المطروحة، ويتيح لبعض القوى الخارجية، وخاصة الأميركية، تحميله مسؤولية استمرار التوتر. كذلك فإن الغياب عن طاولة التفاوض قد يضعف قدرة لبنان على الدفاع عن مطالبه المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي، وترسيم النقاط العالقة وتثبيت ترتيبات أمنية أكثر توازناً.






