ما هي الرسالة السياسية لحديث رئيس الحكومة؟
أحدثت الإطلالة التلفزيونية لرئيس الحكومة نواف سلام ارتياحاً واسعاً في الأوساط السياسية والدبلوماسية، بعدما نجح في مقاربة أكثر الملفات حساسية بلغة هادئة، بعيدة عن الانفعال أو الخطاب الشعبوي، مقدماً سلسلة من الإيضاحات التي هدفت إلى تبديد الالتباسات المحيطة بـ"اتفاق الإطار" ومسار المرحلة المقبلة.
وجاء في صدارة مواقفه التأكيد أن ما تم التوصل إليه ليس معاهدة سلام، ولا اتفاقاً نهائياً مع إسرائيل، بل مجرد إطار توجيهي للمفاوضات، يرسم آلية الوصول إلى اتفاق يحقق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، ويحفظ حقوق الدولة وسيادتها. كما شدد على أن تسمية "اتفاق الإطار" أوجدت التباساً لدى قسم من الرأي العام، فيما أن جوهره لا يتجاوز كونه "خارطة طريق" سياسية وتفاوضية، تحافظ على مسار محدد للمفاوضات، وتقطع الطريق على مناورات المماطلة الإسرائيلية في التلاعب في البرنامج المتفق عليه مع الراعي الأميركي للمفاوضات.
وأكد رئيس الحكومة أن لبنان لم يختر المفاوضات من باب الرغبة، بل وجد نفسه مضطراً إليها بعد حروب مدمرة متعاقبة، وما خلفته من خسائر بشرية ومادية واقتصادية هائلة، وأطاحت بقواعد الإشتباك السابقة، وأسفرت عن إحتلال مناطق جنوبية حيوية، وتهجير مئات الآلاف من أهلنا في الجنوب، معتبراً أن المسؤولية الوطنية تفرض البحث عن حلول توقف النزيف، وتفتح الباب أمام عودة المهجرين، وإطلاق ورشة إعادة الإعمار، واستعادة الاستقرار.
وفي الشق الداخلي، رسم سلام معادلة واضحة تقوم على الجمع بين التمسك بالحوار، ورفض الانزلاق إلى أي مواجهة داخلية، مؤكداً أن الحكومة لا تسعى إلى صدام مع حزب الله، لكنها في المقابل لن تتراجع عن مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، باعتباره ركناً أساسياً في بناء دولة القانون واستعادة القرار السيادي.
كما شدد على أن بسط سلطة الدولة عبر الجيش اللبناني على كامل الأراضي ليس مطلباً مستجداً، بل هو التزام وطني كرسته وثيقة الوفاق الوطني، وأعاد التأكيد عليه قرار مجلس الأمن 1701، بما يجعل تنفيذه استكمالاً لمسار الدولة، كما أنه ليس استجابة لإملاءات خارجية، بقدر ما هو حاجة وطنية ملحة لتسريع وصول المساعدات الخارجية للجيش من جهة، ولإستعجال تنفيذ الإنسحابات الإسرائيلية من جهة ثانية.
لقد اتسمت المقابلة بقدر كبير من الوضوح والاتزان، ونجحت في إخراج المزايدات من الشارع، وفي نقل النقاش من دائرة الشعارات والتخوين، إلى مساحة الوقائع والمسؤولية الوطنية. وربما كانت الرسالة الأبرز التي أراد رئيس الحكومة إيصالها أن لبنان يقف اليوم أمام فرصة دقيقة لا تحتمل المزايدات، وأن نجاح أي مسار سياسي يبقى مرهوناً بوحدة الموقف الداخلي، ودعم المؤسسات الشرعية، وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الفئوية، بما يتيح استعادة السيادة الكاملة، وإنهاء الاحتلال، وتهيئة الظروف لعودة الحياة الطبيعية إلى مختلف المناطق اللبنانية.






