أَعيدوا «الطائف» الى أصله...
يَكثُر الكلام في هذه الأيام، في السرّ وفي العلن، عن النظام وتغيير النظام وعن «اتفاق الطائف» وعن فقدان صلاحيّته وخاصةً عن ضرورة تطبيق المادة ٩٥ منه التي تتحدّث بجزءٍ منها عن إلغاء الطائفيّة السياسيّة.
وعليه لا بدّ من إجراء قراءة صحيحة «لاتفاق الطائف» الذي أصبح «الدستور اللبناني» لنرى ما إذا كان العطل بالطائف أو بكيفيّة تطبيقه.
١- بدايةً، الدستور اللبناني الذي صِيغَت تعديلاته في مدينة الطائف السعوديّة، تمّ وضعه تحت «رعاية ثلاثيّة» سعوديّة - جزائريّة - مغربيّة لضمان حُسنِ تطبيقه وتنفيذه، ولم يَلحظ الاتفاق، إطلاقاً، وصاية سوريّة «أسديّة» مباشرة على لبنان منذ إقرار الاتفاق في العام ١٩٨٩ وحتى العام ٢٠٠٥ تاريخ خروج الجيش السوري من لبنان.
كما لم يلحظ «الطائف» نفوذاً إيرانيًّا من خلال هيمنة سلاح حزب الله بعد العام ٢٠٠٥.
للتذكير، «الرعاية الثلاثيّة» انتلقت، وللأسف، الى وصاية سوريّة مطلقة، ثمناً لدعم نظام الأسد وجيشه في التسعينات لاجتياح الجيش الأميركي العراق مقابل سيطرته الكاملة على لبنان وعلى الدولة اللبنانيّة، بكلّ مفاصلها، دون حَسيبٍ او رَقيب.
٢- إتفاق الطائف لم ينصّ على اغتيال الرئيس الشهيد رينه معوض، الأمر الذي دَشَّنَ الطريق أمام العَبَثِ بالدستور.
٣- إتفاق الطائف لم ينصّ على حلّ حزب «القوات اللبنانيّة» وعلى اعتقال الدكتور سمير جعجع، تعسّفيًّا طيلة ١١ سنة وأربعة أشهر، من أجل الاستفراد بالدولة.
٤- إتفاق الطائف لم ينصّ على رفع عدد النواب الى ١٢٨ نائباً للتلاعب بالموازين الانتخابيّة، بل نصّ على إضافة تسعة مقاعد نيابيّة فقط ليصبح العدد ١٠٨ نواب من أجل المناصفة و ال ٦ وال ٦ مكرّر..
٥- إتفاق الطائف لم ينصّ على احتفاظ أي فريق بسلاحه تحت أي عذر. وقد أعطِيَ حقّ الدفاع عن لبنان للدولة اللبنانيّة وللقوى العسكريّة والأمنيّة الشرعيّة حصراً وليس لأي تنظيم أو فئة أُخرى.
٦- إتفاق الطائف لم ينصّ على تجنيس مئات الآلاف من غير المستحقّين ومن غير المقيمين أصلاً في لبنان لتغيير التوازن الديمغرافي في البلد.
٧- إتفاق الطائف لم ينصّ على تكريس وزارة المال لمَذهَب مُعَيَّن ليمتلك، عن غير حقّ، التوقيع الرابع الذي جعله تعطيليًّا.
٨- إتفاق الطائف لم يَنصّ على إعطاء حصريّة التعيينات الشيعيّة الوزاريّة والقضائيّة والعسكريّة والأمنيّة والإداريّة «للثنائي الشيعي» حصراً، إنّما أُعطِيَ هذا الحق للحكومة مجتمعة.
٩- إتفاق الطائف لم ينصّ على جَعل رئيس مجلس النوّاب حاكماً دكتاتوريًّا على النواب، يفتح أبواب المجلس عندما يريد تمرير قانون ما، ويُقفِل الأبواب لسنواتٍ أمام انتخاب رئيس للجمهوريّة وأمام تعديلات قوانين الانتخاب وغيرها، ضارباً عَرض الحائط بكلّ العرائض المرفوعة من النواب، حتى ولو وقّعها ٦٧ نائباً.
١٠- إتفاق الطائف لم يَنصّ على السماح لأي طائفة او مذهب او حزب بأن ينتمي عقائديًّا وفكريًّا وماليًّا وامرَةًّ وتسليحاً وتدريباً ورواتبَ وأجورا الى وطنٍ غير وطنه فَيُحوّل لبنان الى جزء من «محور» والى ساحة من «وحدة الساحات».
١١- إتفاق الطائف لم يَنُصّ على اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وكوكبة من النواب وقادة الرأي لتغيير المشهد في مجلس النواب وفي الساحة السياديّة.
١٢- إتفاق الطائف لم يَنصّ على السماح لأي طرف، لاستباحة بيروت في «يوم مجيد» رفضاً لإقالة ضابط أو رفضاً لمنع استعمال أقنية وزارة الاتصالات لتمديد شبكات غير شرعيّة فيها.
١٣- إتفاق الطائف لم ينصّ على الذهاب تحت قوة السلاح والإكراه الى قَطَر لانتاج «اتفاق الدوحة» الذي يتناقض مع اتفاق الطائف في «الثلث المُعَطِّل» وفي «الوزير الملك».
١٤- إتفاق الطائف لم يَنصّ على أنه يجوز لأي فريق، مهما علا شأنه، أن «يَسنُد غزّة» و«ينتقم للخامنئي» خارج قرار الدولة، فيدمّر البلد.
١٥- إتفاق الطائف لم ينصّ على السماح بِحَفر الخنادق وجعل لبنان يعيش على صفيح مُتَفَجِّر مِن الصواريخ والمسيّرات لإعطاء العذر للأعداء لاستباحة الوطن.
١٦- إتفاق الطائف لم ينصّ على استباحة المعابر الشرعيّة وغير الشرعيّة وعلى تهريب المواد المدعومة الى سوريا، ولم ينصّ على سرقة أموال الخزينة وأموال المودعين.
بالله عليكم عن أي طائف تتكلمون؟
وللذّين يستعجلون تنفيذ المادة ٩٥ من الدستور اللبناني، فمن الواضح أنّهم لم يقرأوها بشكل صحيح، أم أنّهم اجتزأوها لغاياتهم الدفينة، فكأنهم يقولون «لا إله» فَيَكفرون.
تنصّ المادة ٩٥ من الدستور اللبناني في مقطعها الثاني على ما حرفيّته:
«تتشكّل هيئة وطنيّة برئاسة رئيس الجمهوريّة ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة وشخصيّات سياسيّة وفكريّة واجتماعيّة.
مهمّة الهيئة دراسة واقتراح الطرق الكفيلة «بإلغاء الطائفيّة» «.
انتهى النصّ.
يعني لا مجال لإلغاء «الطائفيّة السياسيّة» قبل إلغاء «الطائفيّة برمّتها».
فهل بشعار البندقية فوق كلمة الله..
وهل بمدارس «حزب الله» التي تعلّم الأطفال وتُنشِئُهم على الانتماء الى دولة غير دولتهم نُلغي الطائفيّة؟؟
رحم الله البطريرك التاريخي نصرالله بطرس صفير، الداعم الأكبر لاتفاق الطائف الحقيقي، الذي كان يردّد دائماً مَقولته الشهيرة:
«يَجب إلغاء الطائفيّة من النفوس قبل إلغائها من النصوص».
ونحن نستأذنه لِنُكمِل، الإشكاليّة هي «بالنفوس» التي تريد الاستقواء والاستئثار، والاستحواذ والاستكبار، وليست بنصوص الأنظمة والدساتير من أيّ نوع كانت.






