«اللجنة العليا اللبنانية - السورية المشتركة» وتحدّي الإرادة السياسية
شهدت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني الى لبنان، توقيع اتفاقية إنشاء «اللجنة العليا اللبنانية - السورية المشتركة» وتنص الاتفاقية، التي تتألف من ثلاثة عشر بنداً، على التنسيق السياسي وتضع خريطة عمل واعدة، تشمل الاقتصاد والأمن والحدود والطاقة والنقل والصحة والتعليم والاتصالات.
ديباجة الاتفاقية هي ترجمة فعلية لتوجيهات القيادتين اللبنانية والسورية المعلنة، التي تقتضي الندية والاحترام المتبادل والعلاقات المؤسساتية، حيث أكد البند الأول من المادة الثالثة عشر: أحكام ختامية حيث تشكل هذه الاتفاقية إطاراً مؤسساتياً للتعاون والتنسيق بين الطرفين.
اللجنة الجديدة ستحلّ محل المجلس الأعلى اللبناني - السوري، الذي أنشئ في 22 أيار 1991 في إطار تطبيق معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق الموقّعة بين البلدين آنذاك.
يرأس اللجنة عن الجانب اللبناني رئيس مجلس الوزراء ونظيره عن الجانب السوري وتضم ممثلين عن الجهات المختصة في البلدين وفقاً للموضوعات المدرجة على جدول الأعمال.
تتولى أعمال اللجنة سكرتارية مشتركة تضم ممثلين عن الجانبين، تتولى التحضير لاجتماعات اللجنة واعداد مشاريع جداول الأعمال وتلقّي المقترحات وتنسيق التواصل بين الطرفين إضافة الى متابعة تنفيذ القرارات والتوصيات الصادرة عنها.
تتصدر مسألة الربط الكهربائي والنقل وتبادل البضائع وتسهيل حركة المرور على الحدود وتطوير العلاقات الأهمية القصوى، وتعمل الحكومتان على استكمال التقييمات الفنية لتأهيل شبكات الربط وخطوط نقل الطاقة وتجري المباحثات الحالية بالتنسيق مع مشاريع الطاقة الإقليمية التي تشمل الأردن وسوريا ولبنان، وتعزيزاً للشراكة الاقتصادية سيتم اطلاق مجلس الأعمال اللبنانيً - السوري في دمشق بتاريخ 14 و15 من شهر تموز، بحضور وزيري الاقتصاد في كلا البلدين، وستوضع الاتفاقات والملفات السابقة فوق طاولة البحث والتقييم المشتركة بما تتطلب من إقرار أو إلغاء أو تعديل وتطوير، على مستوى الطاقة والكهرباء والنفط مثال استجرار النفط العراقي الى لبنان يتطلب إعادة تأهيل شبكة الأنابيب والتي تتطلب صيانة وموافقات سورية وبالنسبة للصادرات السورية قال الرئيس أحمد الشرع ان مرفأ بيروت هو مرفأ الشام ومرفأ طرابلس هو مرفأ حمص وبالتالي يعمل بجدّية على بعض المنتجات السورية التي هي بحاجة للتصدير والاستيراد لتكون عبر هذه المرافئ.
لدفع عجلة التعاون الاقتصادي، تضمن البند الثاني من المادة الرابعة في مجالات التعاون، الشؤون الاقتصادية والمالية والتجارية والاستثمارية وكذا البند الرابع النقل والطاقة والمياه والبنية التحتية.
وفق مصدر مطلّع ان فكرة إنشاء اللجنة وقد سبقتها اتفاقات مماثلة مع السعودية والأردن تهدف لتعزيز التواصل مع دول الجوار والدول التي ترتبط بعلاقات اقتصادية حيث التداخل في عدة ملفات كما هو الحال مع سورية في قضية الحدود والترانزيت والحركة الاقتصادية حيث مهمة اللجان تنظيم العلاقة في الأمور التقنية اليومية وتسهيل الأمور ومعالجة ما يستجد من مشكلات.
ووفق المصدر إياه ستوقّع اتفاقية لبنانية - سورية خلال الشهر القادم «تموز» في موضوع الكهرباء، يستجر فيها لبنان الطاقة من الأردن عبر سوريا في عملية مبادلة ثلاثية حيث لا خط مباشر بين لبنان والأردن، تقتضي عملية مبادلة حيث تأخذ سوريا من محطة قريبة من الأردن ويأخذ لبنان بالمقابل من محطة سورية قريبة من لبنان في البقاع، يأخذ لبنان 15 ميغاوات بكلفة هي دون إنتاجها في لبنان، حيث التكلفة في لبنان 4,5 سنت، سيشتريها لبنان في المقابل بـ 3,5 سنت، وسيكون هذا الاتفاق باكورة ثمار هذة الاتفاق.
بالنسبة لتنقل البضائع فهي الأساس، فالدولة السورية انشأت الإدارة الموحّدة للمعابر البرية والبحرية والجوية، حيث لا توجد هيئة مماثلة في لبنان وما رافق ذلك من اجراءات تتعلق بالشاحنات اللبنانية التي مقصدها سوريا حصراً وتلك التي تعبر «ترانزيت»، والتواصل قائم على تبسيط وتسهيل تلك الاجراءات بروح اخوية، بما لا يؤثر على ارتفاع تكلفة الانتاج اللبناني المصدر الى دول الجوار. أيضا ما يتعلق بما يسمّى المناقلة لبضائع يتم نقلها بين البلدين، وستشهد الأيام المقبلة اجتماعات رفيعة المستوى ينتج عنها المزيد من الانجازات على هذا الصعيد.
أبرز الملفات الاقتصادية العالقة بين البلدين هي النفط حيث يتم العمل على إعادة تفعيل ملف النفط العراقي الذي كان يكرر في الـ «APC» شمال لبنان، وترسيم الحدود البحرية حيث الحديث عن اكتشافات للطاقة الهايدروكربونية النفط والغاز في الحدود الشمالية البلوكين رقم: 1 - 2 بمساحة حوالي 750 كلم2.
من الجدير ذكره ان الانجازات التي تحققت عبر اللجان المشتركة مهّدت لإطلاق عجلة تشكيل اللجنة العليا بين البلدين، في المجال القضائي المتمثل بملف المحكومين والموقوفين 2800 موقوف ومحكوم، وإنجاز أول اتفاقية للمحكومين حيث تم البدء بالتنفيذ وتم تسليم دفعتين للحكومة السورية ما يقارب 270 شخصا وهي لا تزال سارية عند استحقاق كل تسليم بشروطه القانونية وهناك مسلك آخر للموقوفين ،على الصعيد الأمني هناك اجتماعات دورية لإدارة وضبط الحدود وتبسيط الاجراءات مع الأمن العام وبالنسبة لاجراءات دخول السوريين الى لبنان والعكس بالنسبة للبنانيين فهي عالقة عند السلطات اللبنانية يعمل رئيس الحكومة اللبنانية على حلّها، حيث تنتظر دمشق البناء عليه والمعاملة بالمثل.
لم تكن العوائق تقنية على أهميتها أمام تطوير العلاقات اللبنانية - السورية خلال الستة عقود الماضية زمن الأسدين في سوريا واتباعهما في لبنان إنما كانت بسبب الأطماع والقرار السياسي الذي أمعن في تشويه تلك العلاقة ووفق ما تم الاتفاق عليه بين الدول المنتصرة بعد الحربين العالميتين ممنوع أن تحصل علاقة جيدة ومفيدة بين دولتين متجاورتين تتحكم بهما رغبات أسدية جامحة في السيطرة، على ان المتغيّرات الجيوسياسية الكبيرة في منطقة الشرق الأوسط لا سيما في سوريا والإرادة السورية - اللبنانية الحالية المشتركة فتحت آفاقاً جديدة لا تخلو من التحديات ابرزها استكمال سيطرة الدولة السورية الجديدة سيادتها على كامل التراب السوري كما هو الحال في السويداء وتثبيت الأمن والمسار الديمقراطي، كذلك في الجانب اللبناني الذي لا يزال عالقا في قضية قدرة الدولة بتفرّدها على رسم السياستين الدفاعية والخارجية بما يتطلب من حسم لقضية وحدة القرار وحصر استخدام القوة.
* كاتب ومحلل سياسي






