بيروت - لبنان

اخر الأخبار

8 كانون الثاني 2026 12:20ص إحتفاليات إيرانية – فلسطينية مبهجة في لبنان «وطنهما الثاني»

حجم الخط
قبْل أن تضيء أنوار الميلاد وتعيش بعض البلدات فرحة ميلاد المخلِّص، المحجوب على اللبنانيين زيارته وإضاءة المزيد من الشموع في رحاب كنيسته، شأنهم في الحجب شأن المسلمين اللبنانيين والعرب والمسلمين عموماً زيارة المسجد الأقصى وأداء صلاة العمر في رحاب الحرَم الثالث... قبْل ذلك ببضعة أيام كان شقيقان للبنان (شقيق عربي وشقيق مسلم غير عربي) يحتفل كل منهما مبتهجاً بمناسبة تعنيه، ويحدُث ذلك مع بداية غروب شمس العام 2025 وأيضاً في زمن إفتقد فيه اللبنانيون أبناء الوطن الفرح يغمر نفوسهم بإحياء ذكرى اليوم الوطني، الذي إنشغل أهل الحُكم ومعهم جماعات الإعتراض والتحديات الحزبية، بما جعلهم لا يحتفلون بهذه الذكرى. وبين إحتفالية الشقيق العربي والشقيق غير العربي أربعة أيام كانت خلالها الإعتداءات الإسرائيلية تتواصل مستهدِفة بلدات جنوبية، وكان أهل الحُكْم اللبناني حائرين في أمر حسْم مسألة التفاوض تريدها الإدارة الأميركية من خلال براك وأورتاغوس  (التي باتت بعد الطلاق رفيقة أحد الرموز الصحناوية) أن تكون يما يُرضي المعتدي ولا ينصف المعتدى عليه.
الشقيق العربي هو سفير فلسطين (السُلطة الوطنية) الدكتور محمد الأسعد الذي أقام لمناسبة «اليوم الوطني الفلسطيني» حفلاً في مطعم كان اللافت فيه حضور ياسر عباس «الممثل الخاص لرئيس دولة فلسطين محمود عباس»، وهو منْصب مستحدَث إختار الرئيس عباس لإشغاله نجله ياسر، مما يوحي بأن ياسر عباس على موعد مع منصب أكثر تقدُماً يقوم الوالد بتحضيره له.
مِثْل سائر حفلات السفارات في مناسبات وطنية شارك ممثلو الرئاسات الثلاث (الجمهورية. مجلس النواب. الحكومة) السفارة الفلسطينية إحتفاليتها. ولقد كان مأمولا تمثيل المخيمات الفلسطينية كل منها بمن يمثِّل هذا المخيم أو ذاك بما يقلل من حالة اليأس التي تعيشها المخيمات. لكن ذلك لم يحدُث معوِّضاً السفير الأسعد عن ذلك بتضمين الكلمة الإحتفالية القول «إن شعبنا الفلسطيني في لبنان هو ضيف موقت إلى حين عودته لوطنه فلسطين وأن مخيمات اللاجئين الفلسطينيين هي تحت سيادة الدولة. كما أن وجود سلاح المخيمات خارج إطار الدولة هو إضعاف للبنان، وتسليم السلاح للجيش خطوة على طريق تأكيد حِفْظ الأمن والإستقرار في لبنان...». وبهذه العبارات يكون جدَّد ما تم تفاهمه بين الرئيس جوزف عون والرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي سبق أن زار لبنان للتهنئة ولم يشمل في زيارته تفقُّد مخيم من المخيمات الكثيرة. ولكيس لا تمر إحتفالية السفارة من دون ذِكْر حركة «فتْح» وقائدها ياسر عرفات بالترحم عليه، فإن «الفتحاويين» أقاموا يوم الأحد 4 كانون الثاني 2026 مهرجاناً في صيدا مثَّل ياسر عباس فيه والده الرئيس محمود عباس، وأعادت الإحتفالية بالذكرى الواحدة والستين ﻟ «إنطلاق الثورة الفلسطينية» المكانة التي كان عليها ياسر عرفات في سنواته اللبنانية بين طريق الجديدة ومناطق في الجنوب لا يتوقف العدوان البنياميني عليه.
وإذا كانت الإحتفالية الفلسطينية حالة عادية شأنها في ذلك شأن إحتفالات السفراء الذين يمثِّلون دول العالم في لبنان بمناسبات وطنية، فإن الإحتفالية الإيرانية التي جرت بعد ثلاثة أيام من الإحتفالية الفلسطينية كانت أمراً يتوجب التوقف بتأنٍّ أمامه. فقد أقامت السفارة الإيرانية لقاءاً خاصاً لأساتذة ومعلِّمي اللغة الفارسية برعاية وحضور السفير الإيراني مجتبى أماني وبدعوة من المستشارية الثقافية، حيث تم التركيز على تعزيز اللغة الفارسية ودور الثقافة في التقرب بين الشعوب وحضر الإحتفالية وزير الثقافة اللبنانية السابق الدكتور محمد وسام مرتضى والمستشار الثقافي للجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان محمد رضا مرتضوي المدير العام ﻟ «المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم – مدارس المهدي» الدكتور حسين يوسف وحشْد من أساتذة ومعلِّمي اللغة الفارسية. هذا يعني أن الحضور الرسمي اللبناني الثقافي والتربوي غير مشارك. هل لعدم توجيه دعوات إلى الوزراء المختصين أم لأن هؤلاء لم يتلقّوا دعوة تفادياً للإحراج، أو أنهم تلقّوا الدعوة وإعتذروا، وبذلك تمثَّل لبنان بوزير سابق من الطيف نفسه الدكتور محمد وسام مرتضى.
الكلمة التي ألقاها راعي الإحتفالية السفير مجتبى أماني تستوجب وقفة أمام مضمون بعض كلماتها والهدف الذي ترمي إليه الإحتفالية عموماً.
بعد تعريفه للغة الفارسية بأنها «ليست مجرد وسيلة للتواصل.. إنها بيت أفكارنا ووعاء أفكارنا وهوية حضارتنا الإيرانية الإسلامية. إنها لغة تربط بين ماض مجيد ومستقبل مشرق. إن صون اللغة الفارسية هو صون الهوية والتاريخ والإرث الثقافي المشترك». ماذا تبقَّى للغة الضاد يا سعادة السفير.. اللغة التي يُغني نزول القرآن الكريم بها عن أي إجتهادات.
ما بدأه السفير مجتبى أماني مِن تعريف لأهمية اللغة الفارسية أكمله بإفاضة المستشار الثقافي للجمهورية الإسلامية في لبنان محمد رضا مرتضوي ومدير عام «المؤسسة العامة للتربية والتعليم – مدارس المهدي» الدكتور حسين يوسف.
ومدارس المهدي هي بيت القصيد حيث لا مثيل لها مِن قِبْل إنشائها في لبنان، بإستثناء معهد لتعليم اللغة الفرنسية أنشأتْه سفارة فرنسا لدى لبنان ومعهد مماثل للغة الإنكليزية. وهما معهدان علمانيان دروساً وأساتذة، ثم تُقرر إيران بدء حملة تثقيف وتفريس وتُجند لهذا الغرض مدرسين تبعث بهم إلى لبنان وسوريا واليمن والعراق، وإلى بعض دول إسلامية للمذهب الشيعي حضور فيها. وهذا المعهد الذي إستقطب المئات من فتية وفتيات الطائفة الشيعية يقوم بتدريس اللغة الفارسية وفْق مؤسسات إيرانية متخصصة وله فروع في المناطق الشيعية مِن لبنان (بلدات في الجنوب والبقاع وبعلبك). ومع مرور الزمن منذ تأسيسه باتت أجيال مِن بنين وبنات تلقَوا دروساً فيه ملمين باللغة الفارسية قولاً وكتابة، وفي مناح شاملة ثقافية وعِلمية ينطقون أحياناً بين أهاليهم مفردات فارسية يبتهج لها الأهل فيترجمها لهم الإبن أو الإبنة. هذا عدا أن الظاهرة الكشفية في مدارس المهدي باتت تأخذ مداها المجتمعي، وإلى درجة أن «الكشَّاف المهدي» مؤهل مستقبلاً لكي يصبح مقاتلاً أو صاحب خبرة في شؤون تقنية وفْق مناهج دورات المؤسسات العسكرية الإيرانية.
ما إستحدثتْه الجمهورية الإسلامية في إيران كجزء من بسْط تواجدها الثوري، أحدثتْه في العراق لمجرد سقوط نظام البعث وخصصت له ميزانية متعددة الملايين. لكن التركيز على سوريا وتعليق الآمال على ما إستحدثتْه في ظل النظام الأسدي إبناً بعد أب كان حاضراً في الأجندة الإيرانية الهادفة في بعض دواعي خطتها إلى ما يشبه التوازن عددياً بين طائفة الأسدين والطائفة العريقة السورية، هذا إلى أن الجوار السوري – اللبناني من شأنه تحقيق خطوة لاحقة تحدُث في مناطق من لبنان. لكن ما كل ما يتمناه المرء يدركه. ذلك إنه لم يكن في الحسبان أن ينتهي النظام الأسدي في سوريا على النحو الصاعق الذي إنتهى إليه، وتبدأ «سوريا الشرع» مرحلة جديدة ليست واضحة المعالم فيها إلى حين، بإستثناء أنها ستُقلِّم على مراحل الأظافر الإيرانية من مدارس ومؤسسات وأشخاص. وهذا ما يصبو إليه اليمنيون إنما في حال أصاب الجناح الحوثي المخطوف مِن عدم القدرة على التحليق ما أصاب سوريا الإيرانية.
وتبقى على هامش هذا التأمل في واقع الحال، وما أوردناه هو القليل من الكثير، الخشية في حال أخذت عملية التطبيع مع إسرائيل ماها، أن نفاجأ ذات يوم بأن هنالك مطالب إسرائيلية بأن تكون اللغة العبرية ضمْن مناهج التدريس في دول التطبيع وحجتها في ذلك أن هنالك تجربة حدثت هي الفارسية وإن كانت لم تشمل الرسمية.
إنها تأملات في ما يحدُث على هامش الفوضى السياسية – العسكرية التي تدفع إلى المزيد من المفاجاءات. لعل من شأن التبصر إفشال الساعين إلى تجريد الأمة من هويتها العربية بالتوصيف الإلهي «كنتم خير أُمة أُخرجت للناس».