مع الأيام يتم اكتشاف تأثيرات المناخ على كافة أنحاء الحياة، من الانتاج الى الاستهلاك الى كل القطاعات الانتاجية الى الحرائق في غابات استراليا والأمازون وكاليفورنيا كما الى الفياضنات والأمطار وغيرها من الكوارث الطبيعية. حسنا فعل الرئيس البرازيلي في استضافة اللقاء العالمي الأخير المهم في غابة الأمازون التي لها رمزية كبيرة في مواضيع المناخ ومحاربة التلوث. لا يمكن حصر التحدي البيئي ضمن حدود جغرافية معينة اذ يسهل انتقال التلوث المائي والهوائي وغيره عبر الحدود الى أماكن واسعة.
العلوم والتكنولوجيا مهمتان جدا للنجاح في الفوز على التلوث، لأننا نحتاج الى التقدم النظري فيهما. تلوث المناخ يشير الى عدم قدرة القطاع الخاص على وضع حلول مناسبة وتنفيذها، علما أنه مسبب لجزء أساسي منه عبر الانتاج والاهمال وسؤ الفرز وعدم المعالجة. لا شك أن النمو الاقتصادي العظيم الذي عرفه العالم منذ عقود وخاصة منذ الحرب العالمية الثانية سبب بطرق غير مباشرة التلوث والأمراض التي نعرفها. فالتقدم التكنولوجي عبر العصور نقل الانسان من العصر الحجري الى ما نعرفه اليوم، كما أن التغير المناخي يحاول أخذنا بالاتجاه المعاكس. كما أن الانسان نجح في استعمال التقدم التكنولوجي للنمو، فشل أيضا في معالجة أسباب التغير المناخي الذي يدمر نوعية الحياة.
يحصل التلوث المناخي منذ عقود ويتأثر الانسان سلبا به عبر صحته ونوعية حياته. ما العمل؟ يقول «ويليام نوردهاوس» الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد لسنة 2018 أن هنالك 3 حلول ممكنة: أولا تخفيف انبعاث ثاني أكسيد الكاربون في الهواء، لكن الامكانيات العملية المتوافرة غير فاعلة بالاضافة الى التكلفة الباهظة. هنالك حل ثان في رأيه وهو سحب كثافة التلوث من الطبيعة عبر آليات متخصصة، لكنها غير متوافرة في الأسواق. يبقى الحل الثالث وهو حسن ادارة التلوث بين الزيادات والمعالجات كي لا تصبح الأوضاع لا تحتمل أو بالأحرى أسواء بكثير. أفكار الحلول لا تدعو للانشراح بل مكلفة ومقلقة وغير فاعلة.
لأن التغير المناخي مشكلة دولية، يجب أن تكون المعالجة دولية أيضا. المشاركة في الحلول في الأدوات والتمويل والموارد البشرية والمادية هي ضرورية للنجاح. المطلوب التعاون بين الدول ومع المؤسسات الدولية المعنية لتوحيد الجهود للانتصار. من الصعوبات الأخرى، أن المواضيع معقدة ولا ترتبط باختصاصات محددة بل تشمل قطاعات واسعة عديدة في نفس الوقت كالكيمياء والفيزياء وعلم الحياة والاقتصاد والقانون والرياضيات وبالتالي تتطلب الحلول مشاركة أعداد كبيرة من الاختصاصيين كما جرى في البرازيل لايجاد الحلول الفاعلة للمشكلة. غض النظر كما التأجيل مرفوضان ومكلفان ولا يمكن القبول بهما.
ما هي الأهداف العالمية لمعالجة التغير المناخي؟ يهدف العالم الى تخفيف ازدياد الحرارة التي تسيء الى كل شيء كمستويات المياه ونوعية مياه الشرب والهواء وصحة الانسان وغيرها. بينما كان الهدف الوصول مؤقتا الى درجة حرارة أرضية 5%، وصلنا اليوم الى 2,5% وهذه نتيجة مهمة حتى لو بقيت دون الهدف المطلوب. في البرازيل، أهم الدول الملوثة لم تحضر كالولايات المتحدة والصين والهند لكن المهم أيضا أن حاكم ولاية كاليفورنيا حضر لأن مواضيع البيئة تعتبر من صلاحيات الولايات وليس الدولة الفيديرالية. هنالك شائعات ترجح ترشح حاكم الولاية للرئاسة الأميركية سنة 2028 عن الحزب الديموقراطي مما يفسر ربما قدومه الى الأمازون. لا ننسى أن «أل غور» نائب الرئيس الأميركي الأسبق عمل جاهدا على توقيع اتفاقية باريس للمناخ لأنه رأى فيها الحد الأدنى المطلوب للانقاذ البيئي.
ما هو الواقع على الأرض اليوم خاصة بعد تأكيد الرئيس ترامب على أن المشكلة البيئية غير موجودة أو أقله غير مهمة. تعمل الولايات المتحدة اليوم ضمن قوانينها على أن لا ترفع تلوثها. هنالك نتائج ايجابية لكنها غير كافية. معظم النشاط المكافح للتلوث عالميا يأتي من الصين منذ 1980. النشاط الصيني الأكبر تم في فترتي 1990\2000 و 2010\2017. فالصين تلوث لأن التكنولوجيا المستعملة ما زالت متأخرة عن التكنولوجيا الغربية، لكن الجهود الصينية لمكافحة التلوث كبيرة وواضحة. دائما، التعاون الدولي لمكافحة التلوث مهم جدا.
هنالك حقائق يتفق عليها الجميع، وهي ضرورة مساهمة الحكومات في الحلول. القطاع الخاص لا يمكنه أن يكافح التلوث من دون القطاع العام. تنقصه الموارد المادية والبشرية كما يحتاج الى السياسات العامة والاجراءات والقوانين التي ترعى عمل الشركات. كلما تأخرنا في تنفيذ الحلول كلما صعبت وارتفعت التكلفة. هنالك 4 خطوات مطلوبة: أولا أن يفهم العالم والمواطن العادي أهمية التغير المناخي كمشكلة حقيقية تؤثر على مستقبله. ثانيا، يحب وضع ضرائب على التلوث ترفع الايرادات وتخفف الضرر عن المواطن. المطلوب سياسات مالية ونقدية مشتركة بين الدول كي لا تنتقل الصناعات الملوثة من دولة الى أخرى. ثالثا، يجب تفعيل التنسيق بين الدول وبينها وبين المنظمات الدولية والاقليمية كي تتحقق النتائج المطلوبة. أخيرا، يحتاج العالم الى تكنولوجيا جديدة في قطاع الطاقة تخفف من الانبعاث وتساهم في تنظيف المياه والهواء والطبيعة.