يمضي لبنان في خيار التفاوض مع إسرائيل، بما يؤكد أمرين أساسيين: القرار النهائي بالخروج من الفلك الإيراني، والتمسّك بحق الدولة الحصري في التفاوض. وقد كان رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون واضحاً في تجديد هذا الموقف، رغم كل المواقف التي صدرت عن حزب الله، والتي جمعت بين التهديد الموجّه إلى رئيس الجمهورية والحكومة، والإنحدار الأخلاقي في العبارات المستخدمة.
في المقابل، بدت أدبيات «النصر المعنوي والغيبي» التي صدرت عن بعض مسؤولي حزب الله على مشارف المناطق المحتلة، هزيلة أمام صدمة المواطنين من حجم الخسائر، وعاجزة عن تحويل الاحتلال الإسرائيلي إلى «ملحمة صمود». وربما أسهم هذا الخطاب في إثارة العديد من التساؤلات لدى أبناء الجنوب حول مخاطر الإستمرار في الرهان على تحويل الواقع الإفتراضي الذي يعيشه حزب الله إلى حقيقة ملموسة.
يجيب الموقف الميداني بوضوح كامل على ادعاءات حزب الله، ويضع لبنان في الوقت نفسه أمام واقع مرير، في ظل إمعان إسرائيل في استثمار ما حققته من توغل وتدمير، مستفيدة من الفارق الهائل في القدرات العسكرية. إذ تسعى إسرائيل إلى تكريس احتلال جديد يشمل 55 بلدة ومدينة، سيكون بعضها خاضعاً لاحتلال مباشر، فيما تخضع أخرى لسيطرة نارية تحت مسميات «أحزمة حماية» لمستوطناتها الشمالية ووحداتها العسكرية.
يطرح الإحتلال الإسرائيلي الجديد، الممتد من منطقة البياضة الساحلية الواقعة جنوب مدينة صور (على بعد 12 كلم من الحدود الدولية)، إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، إضافة إلى بلدتَي أرنون ويحمر الشقيف الواقعتين على الضفاف الشمالية والغربية لنهر الليطاني، تساؤلات جدية حول نقاط القوة التي يستند إليها لبنان في التفاوض لتأمين الانسحاب الإسرائيلي. في المقابل، يشير التواصل الذي تظهره خريطة الاحتلال الإسرائيلي بين المناطق المحتلة في هضبة الجولان السورية ومرتفعات قمّة حرمون الغربية في جنوب شرقي لبنان، إلى احتمال انضمام سوريا إلى المفاوضات في مرحلة لاحقة مما يشير الى تطورات قد تشهدها الحدود اللبنانية السورية مستقبلاً.
وبصرف النظر عن الفصل ـــــ الذي فرضته واشنطن ـــــ بين لبنان وإيران كساحتَي اشتباك مع إسرائيل، بما يعني عملياً الفصل بينهما في مسألتيّ التفاوض ووقف إطلاق النار، تدرك الولايات المتحدة أن التجربة التي أعقبت اتفاق 27 نوفمبر 2024، والذي قضى بحصرية السلاح بيد الدولة، لم تكن مشجعة. فكل التعهدات التي قُدمت لم تمنع حزب الله من الدخول في حرب إسناد جديدة استجابةً لأوامر الحرس الثوري، وهو ما قد يتكرر عند محاولة تطبيق حصرية السلاح مجدداً.
وبالتالي، فإن مسار السلاح في لبنان يرتبط عضوياً بمسار ونتائج المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، بما يعني أن الفشل في إسلام أباد قد يفضي إلى اشتعال جبهة لبنان، بصرف النظر عن النتائج أو عما ستحققه إسرائيل في الميدان.كذلك، ربما تنظر واشنطن إلى نجاح التئام منصّتَي التفاوض في كل من واشنطن وإسلام أباد على أنه الخيار الأمثل لنزع السلاح، بالتزامن مع صفقة أميركية ــ إيرانية تفضي إلى تخلي طهران عن أذرعها في المنطقة.
إن ما ورد في متن مذكرة التفاهم التي نشرتها الخارجية الأميركية عقب الجولة الأولى من المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل بوساطة واشنطن، بشأن مسألة سلاح حزب الله، ينطوي على مخاطر ودلالات بالغة الأهمية. فقد جاء فيها: «يُقرّ البلدان بالتحديات الجسيمة التي تواجهها الدولة اللبنانية من الجماعات المسلحة غير الحكومية، والتي تُقوّض سيادة لبنان وتُهدد الاستقرار الإقليمي.»
ويشير هذا النص بصورة واضحة إلى إدراك واشنطن لحراجة الوضع في لبنان، كما يعكس في الوقت نفسه احتمال اللجوء إلى أشكال من التدخل الخارجي، نظراً لما يمثله هذا السلاح من تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي وتقويض لسيادة الدولة اللبنانية.
يحمل الترابط العضوي بين مصير سلاح حزب الله ومسار المفاوضات المتثاقلة في إسلام أباد مخاطر عديدة، قد يكون أقلّها التدخل الخارجي، سواء كردّة فعل على فشل تلك المفاوضات أو كنتيجة مباشرة لنجاحها.غير أنّ المسار الأخطر على ما تبقّى من مؤسسات الدولة اللبنانية برمّتها، يبدو في تقاطع المصالح الإسرائيلية الساعية إلى الإبقاء على الاحتلال في جنوب لبنان، مع استساغة واشنطن لخيار الاستمرار في الحصار البحري كوسيلة لإخضاع إيران، ومعها جزء كبير من العالم الصناعي، بدلاً من العودة إلى العمليات العسكرية.
ومن شأن هذا المسار أن يؤدي إلى تحويل الاحتلال القائم في جنوب لبنان إلى أمر واقع دائم، أشبه بالـ«ستاتيكو» الذي عاشه لبنان قبل عام 2000.
* مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والإستشارات