في ظل الهدنة الهشة بين لبنان وإسرائيل، فإنه ليس محسوماً بعد ما إذا كان سيصار إلى تمديدها لعشرة أيام أخرى أو أكثر، وإن كشف رئيس مجلس التواب نبيه بري عن وجود مسعى أميركي يصب في هذا الاتجاه. بانتظار ما سيؤول إليه مصير المفاوضات المتأرجحة في جولتها الثانية بين الولايات المتحدة وإيران. وفي الموازاة فإن لبنان يمضي في تحضيراته بشأن المفاوضات المباشرة المرتقبة بينه وبين إسرائيل برعاية واشنطن . وفي المقابل، وفيما ينتظر أن يعاود الرئيس الأميركي دونالد ترامب مهاتفة رئيس الجمهورية جوزاف عون للمرة الثانية، يتوقع عقد اجتماع ثان على مستوى السفراء بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، في وقت يعمل الجانب اللبناني على تهيئة الملفات التي ستتم مناقشتها مع الطرف الإسرائيلي في جلسة المفاوضات الأساسية الأولى التي ستعقد في وقت قريب، بعد تحديد الموعد بالتنسيق مع الجانب الأميركي. وقد برز جلياً أن خيار التفاوض الذي اتخذه لبنان يحظى بدعم داخلي وخارجي واسع، باستثناء "حزب الله" الذي لا زال يقف موقفاً معارضاً، مهدداً ومتوعداً، بعدما كان الرئيس عون واضحاً، لناحية إصراره على سلوك طريق التفاوض مع إسرائيل، من أجل مصلحة لبنان، وسعياً للخروج من الواقع الصعب الذي يعيشه، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على أراضيه .
وإزاء إصرار إيران و"حزب الله" على الاستمرار في الإمساك بالورقة اللبنانية، والتأكيد أن قرار وقف إطلاق النار في لبنان، ما كان ليتحقق لولا موقف طهران الحازم بأن لبنان جزء من المفاوضات مع واشنطن، فإن لبنان ومن خلال المواقف التي أعلنها الرئيس عون ورئيس الحكومة نواف سلام، يعتبر أنه آن الأوان لكسر محاولات طهران وحلفائها الاستمرار في الإمساك بالورقة اللبنانية ، انطلاقاً من الدعم الوطني الذي تلقاه العهد من غالبية اللبنانيين لسلوك طريق المفاوضات . وهذا ما تجلى في تأكيد العديد من الأطراف السياسية على الوقوف خلف الرئيسين عون وسلام في قرارهما، من أجل تحقيق مصلحة الشعب اللبناني ، على أمل أن تقود هذه المفاوضات المنتظرة إلى إرغام الاحتلال على الخروج من جميع الأراضي اللبنانية . مع التأكيد توازياً، أن ملف حصرية السلاح يسير وفق الخطة التي وضعتها الحكومة . وهو أمر يتعاطى معه المسؤولون اللبنانيون بكثير من الجدية، سيما وأن هناك مساندة عربية ودولية لما أقرته حكومة لبنان على هذا الصعيد، انطلاقاً من الحرص الخارجي على تثبيت ركائز الدولة اللبنانية .
في المقابل، تشير المعطيات إلى أنه ومع اقتراب موعد جلسة المفاوضات بين الوفدين اللبناني والاسرائيلي، فإن منسوب اعتراض "حزب الله" وحلفاء إيران مرشح للارتفاع، رفضاً لسلوك هذه الطريق . ومن غير المستبعد وفق قراءات متعددة أن يذهب هذا الفريق إلى مزيد من التصعيد المفتوح على كل الاحتمالات . وفي حين قوبلت التهديدات التي وجهها القيادي في "الحزب" نواف الموسوي للرئيس عون، برفض واسع من غالبية اللبنانيين، فإن خيار الشارع لا زال في مقدمة الخيارات التي يتم بحثها من جانب الرافضين للمفاوضات، وصولاً إلى حد إسقاط الحكومة إذا كان ذلك ممكناً في مرحلة لاحقة، سعياً لتعطيل قطار المفاوضات، ما يبقي لبنان ومؤسساته في عهدة الوصاية الإيرانية، وبما يؤدي إلى عرقلة تنفيذ خطة حصرية السلاح . وهذا ما يتحسب له المسؤولون اللبنانيون الذين لن يألوا جهداً لإفشال هذا المشروع، رفضاً لأي نوع من التسلط الإيراني المرفوض من السواد الأعظم من الشعب اللبناني .
ويحظى لبنان في خياره التفاوضي بمساندة عربية ودولية، عبرت عنها مواقف العديد من المسؤولين العرب الذين أكدوا دعم دولهم لكل القرارات السيادية اللبنانية في هذا الخصوص ، ولكل الخطوات التي تزمع بيروت القيام بها، سيما ما يتصل بالمفاوضات ، باعتبار أن هذا الأمر يخص الدولة اللبنانية وحدها، وهي الأدرى بمصالحها، في حين أن الدول العربية والأجنبية الصديقة للبنان، لا يمكن أن تقبل بأي تسلط على قرارات حكومته ، لا من إيران ولا من حلفائها . وبالتالي فإن هناك قراراً عربياً ودولياً بالوقوف إلى جانب القيادة السياسية اللبنانية بقيادة الرئيس جوزاف عون، حتى تتمكن حكومة الرئيس نواف سلام من السير بملف المفاوضات. وكذلك الأمر في موضوع حصرية السلاح . وهو ما سيتم بحثه في اللقاءات التي سيعقدها الرئيس سلام في مقر المفوضية الأوروبية في بروكسيل، وكذلك الأمر في اللقاء الذي سيجمعه، غداً، بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الاليزيه.