24 تشرين الأول 2025 12:05ص مخاطر الأسواق الواسعة

حجم الخط
انفتاح الاقتصادات بعضها على بعض كما اتساع الاسواق يفيدان النمو الاقتصادي المحلي والدولي ويعطيان في نفس الوقت فرصا كبيرة للمجرمين الماليين المنظمين للاستفادة المادية.  فالاسواق الاقتصادية غير الرسمية تزدهر في زمن الانفتاح بالرغم من المحاولات الرسمية الجادة للقضاء عليها وبالرغم من اشتداد الرقابة وتطور تكنولوجيا المعلومات.  أهم نتائج المنافسة المتزايدة، الناتجة عن العولمة، ازدياد الاجهاد والقلق وتأثيرهما السلبي على المواطن.  من الشذوذ الاخرى للاقتصاد المعاصر تواجد الاسواق الاقتصادية غير الرسمية شرعية وغير شرعية في كل الدول خاصة في المناطق الريفية التي لم تترسخ فيها سلطة الدولة كليا.
هنالك الاسواق غير الرسمية الشرعية أي التي لا تتحدى سلطة الدولة لكن لم تصلها بعد مقومات الاسواق الحديثة.  تتكون من كافة المبادلات النقدية والسلعية التي تحصل مباشرة بين المواطنين أو عبر وسطاء متخصصين دون أن تدون أو تسجل، وتتم  بمخاطر وأسعار وفوائد مرتفعة.  من الممكن تدريجيا ادخال هذه الاسواق في الاقتصاد الرسمي المنظم عبر تسهيل عمليات التبادل وتخفيف مخاطرها.  من الممكن تخفيض الفوائد في تلك الاسواق عبر زيادة الاموال المتوافرة للاقراض.  تتكون الاسواق غير الرسمية أيضا من الجانب غير الشرعي حيث تتبادل عبرها السلع الممنوعة والمسروقة، بما فيها المخدرات والاموال، وهي اسواق مزدهرة عالميا بالرغم من المكافحة العلنية والعملية لها من كل الاجهزة الامنية والسياسية.
مع انفتاح الاقتصادات وتوسعها تزدهر عمليات التزييف والنسخ أي سرقة السلع والأفكار وتسويقها.  العمليات الأخيرة معقدة وكبيرة والأرقام عموما غير دقيقة، لكن يقدر بأن حجم سوق السلع المزيفة في الاسواق التجارية العالمية يفوق الـ 100 مليار دولار سنويا.  يمتد التزييف ليس فقط الى سلع الكماليات والاسطوانات والالكترونيات والالبسة وألعاب الاطفال والكتب، بل يتعداها الى الادوية وقطع غيار السيارات وغيرها من التي يمكن ان تحدث اضرارا بالغة في حياة الانسان وصحته وحتى في المجتمع.  أصبحت هذه السلع المزورة منتشرة في كل دول العالم وخاصة في الدول النامية.  ما يدعو الى الدهشة هو ان تقنيات التزييف أصبحت متقدمة جدا لدرجة يصعب معها ظاهريا التمييز بين الاصل والمزور.
خسائر التزييف كبيرة ليس فقط على المنتج، انما على المواطن الضحية.  تقدر هذه الخسائر بحوالي 100 ألف وظيفة في اوروبا.  يظهر ان حوالي 70% من الانتاج العالمي المزيف يأتي من جنوب شرق اسيا.  تنبه المجتمع الدولي لهذه الظاهرة المتزايدة ووضع اتفاقية حماية الملكية الفردية والصناعية ضمن الجولة الثامنة من اتفاقية «الغات» أو ما يعرف بجولة الاوروغواي، وهدفها حماية المنتج والمستهلك من السرقة والغش والتلاعب برزقه وعيشه.  أعطت الاتفاقية لمنظمة التجارة الدولية صلاحيات كبيرة لجهة فض الخلافات بين الدول خاصة بين أصحاب الحقوق والمغتصبين لها.  يمكن للمنظمة ان تقرر عقوبات تلزم بها الدول الاعضاء.
من المعلومات المتوافرة فيما يخص التزييف هو ان كل القطاعات تتأثر بها وإن كان بنسب متفاوتة.  الاحصائيات غير دقيقة ويمكن أن تتغير بين سنة وأخرى تبعا للأسواق ولنجاح السلطات الرسمية في مواجهتها.  58% من السلع المزورة هي من الالبسة تليها سلع التجهيز 27%.  من ناحية القيمة، يقدر بأن 35% من سلع المعلوماتية مزورة، 25% من الاجهزة والسلع الصوتية والمرئية و6% من الادوية.
أما طرق النسخ فهي ثلاث، أولها محاولة نقل الشكل والمحتوى وهي 55% من المجموع، ثم نقل المحتوى فقط دون الشكل 42%.  أما الباقي فيقتصر على نقل الغلاف دون المحتوى.  ترتبط عمليات التزيييف اجمالا بمجموعات الاجرام المنظم الدولية وما يتبعها من تجارات بالسلع الممنوعة والمضرة.  تنطلق من امكانات مادية كبيرة تساهم في تطوير وسائل عملها وتوسيعها وتنويعها لتشمل اعطاء القروض بفوائد مرتفعة، ابتزاز الاموال، تجارة المخدرات والاسلحة والبشر، سرقة السيارات، تزوير العملات وغيرها.  تحاول هذه المجموعات تبييض أموالها كي تستطيع صرفها في مجتمعاتها.
فعَّلت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الاوروبي اجهزتها الامنية المتخصصة في الجرائم المالية وخلقت بالتعاون مع العديد من الدول الاخرى كسويسرا وباناما وحدات لجمع وتبادل المعلومات عن مرتكبيها.  من المؤسف ان هنالك دولا ترغب في تبييض تلك الاموال والاستفادة منها في تشجيع الاستثمار وتخفيف البطالة.  تعي الدول الغربية في الواقع مساوىء تلك الشذوذ وتأثيرها السلبي على الأمن وعلى النظام الاقتصادي العالمي وحرية الاسواق الرسمية وحتى على النظام الديموقراطي.  من هنا يمكن تبرير القيود أو الحظر الذي تفرضه بعض الدول كدول مجلس التعاون الخليجي على الاموال الآتية من غير المقيمين.
هنالك تخوف من أن يؤدي تطور الاتصالات الدولية بما فيها شبكة الانترنت والبطاقات الائتمانية الى تسهيل عملية تبييض الاموال العالمية وبالتالي تسريع انتقال الاموال من دول الى أخرى.  يكمن الحل الوحيد في تقوية التعاون الدولي بغية ايجاد التشريعات المتطورة والضرورية وتنفيذها.  في كل حال لا بد من توعية المستهلك عامة وفي الدول النامية خاصة على مخاطر تشجيع التجارة السوداء وعلى البحث عن نوعية السلع التي يشتريها خاصة تلك المؤثرة مباشرة على صحته وسلامته.
من المتوقع ان تلتزم كل الدول الناشئة والنامية تدريجيا بالاتفاقية الدولية لحماية الملكية الفكرية، وهذا سيشجع المتمولين الدوليين على الاستثمار في تلك الدول بينها عربية حيث تتواجد ثروات كبيرة بشرية ومادية تحتاج الى استيراد التقنيات الغربية المتطورة لاعطاء أفضل ما عندها.  محاربة التزييف وعمليات تبييض الاموال هي في تقدم مستمر في المنطقة العربية نتيجة الاتصالات المتزايدة بين الاجهزة المعنية الرقابية والامنية.  يبقى ان نؤكد على مساوئ تعديل القوانين المصرفية والمالية في كل الدول فقط لمواجهة مساوئ الانفتاح الاقتصادي.  تحديث القوانين يفترض عمل كل ما يجب لتفعيل الانتاجية لمصلحة المواطن والمؤسسات والادارة العامة والاقتصاد، وليس فقط لمحاربة الشوائب المتكاثرة.