انشغلت مؤخراً مجموعاتُ ومواقعُ التواصلِ بصورةٍ تبيّنُ الأعمالَ المنفذةَ في حديقةِ المفتي الشهيد حسن خالد، واسترسل البعضُ في الاتهاماتِ والانتقاداتِ حولَ تحوُّلِ الحديقةِ إلى مصطبةٍ خراسانيةٍ، وهذا ما دفعني إلى هذا التوضيح.
لقد سعى المجلسُ البلديُّ، الذي كان لي شرفُ ترؤسه، وفي بدايةِ ولايته، إلى وضعِ خطة لترميمِ ورفعِ مستوى حدائق مدينة بيروت، بالتعاونِ مع لجنةٍ من الخبراء الاختصاصيين وأساتذة الجامعاتِ، وبالتشاورِ مع أهالي المناطق المحيطة بالحدائق. وكان هدفُنا وضعَ دراساتٍ لتحديثِ الحدائق، تُقَدَّمُ كهباتٍ من أهمِّ مهندسي المساحات الخضراء، بناءً لرؤيةِ المجلسِ البلدي وبتعاونِ ومشاركةِ عددٍ من أعضاء المجلس. وكان همُّنا الأساس، من خلال اعتماد الهبات أو اعتماد مجلس الإنماء والإعمار في بعض المشاريع، أن نتفادى الكيديةَ والرتابة الإداريتين في البلدية والروتين الإداريِّ القاتل في جميعِ (نعم جميع) دوائر القطاع العام التي تتعاملُ معها بلدية بيروت للمصادقةِ على المشاريع.
وهكذا تعاونَ المجلسُ مع المبدعةِ زينة مجدلاني في حديقةِ الصنائع حيث نجحَ في إقناع مؤسسة أزاديا وآل ضاهر الكرامِ بتنفيذِ الأعمال هبةً لمدينة بيروت. كما تعاونَّا مع المبدعِ فريدريك فرنسيس لوضعِ دراساتِ حديقة مار نقولا، التي لم تُنَفَّذ للأسفِ رُغمَ الهبةِ المقدمةِ من الجامعة اليسوعية لأسبابٍ لا أحب أن أذكرَها.
وتعاون مجلسنا أيضاً مع المبدعين في مؤسسة (Green Studios) لوضع دراسات حديقة الكرنتينا التي نُفذت بهبةِ الجامعةِ اليسوعيةِ بعد تعذّرِ قبول الهبة لحديقة مار نقولا، ومع المبدع فلاديمير ديوروفيتش لوضع دراسات حديقة السيوفي التي نُفذت منذ بضع سنوات، كما قدمت شركتي (CODE) بالتعاون مع المبدع إيلي عبس دراسات حديقة الرملة البيضاء هبةً لمدينة بيروت، على أن تلحظَ الأعمالُ إنشاءَ مواقف للسيارات تحت الحديقةِ، وما تزالُ تلك الدراساتُ قابعةً في أحدِ جوارير الإدارة البلدية!
أما حديقة المفتي الشهيد حسن خالد فقد ارتأينا تكليفَ مجلس الإنماء والإعمار، في تموز 2011، وضعَ دراساتها مع إنشاءِ مرآبٍ تحت الحديقة، يتألفُ من عدةِ طوابق ويسعُ قرابة 500 سيارة، مع قاعةٍ كبيرةٍ متعددةِ الاستعمالات لأهالي المنطقة. وتسببت الرتابةُ والكيديةُ والمماطلةُ بانتهاء الدراسات، التي وضعتها شركة (ETEC)، بعد خمس سنوات من تاريخ قرارنا أي قبل انتهاء ولاية مجلسنا بأشهرٍ قليلةٍ، وهذا مؤشرٌ خطيرٌ على مدى فجورِ الروتينِ والكيديةِ الإداريةِ التي تقاومُ الرؤى التطويريةَ أو الحضاريةَ لازدهارِ مدينة بيروت. ولقد قامَ المجلسُ البلدي الذي خَلَفَ مجلسنا في أيار 2016، والذي ترأسه المهندس جمال عيتاني، بتلزيمِ أعمال التنفيذ مطلع العام 2019. غير أن الأعمالَ توقفت بذريعةِ انهيارِ العملة الوطنية. ولم يعمل ذلك المجلسُ على محاسبةِ المقاولِ وتحميله جزءاً من مسؤوليةِ الإهمال في حجزِ البضائع المطلوبة للتنفيذ قبل انهيار العملة، كما لم يسعَ ذلك المجلس إلى تكليف مجلس الإنماء والإعمار بتلزيم الأعمال مرة أخرى بطريقة (BOT)، بحيث ينفذُ المقاولُ الأعمالَ ويستفيدُ من تشغيلِ المواقف لعدةِ سنواتٍ لتعويض التكاليف، علماً بأن مجلس الإنماء والإعمار يملك صلاحيةَ القيامِ بمثل هذه التلزيمات.
وبعد عدةِ سنواتٍ من الجمودِ، أقدمَ المجلسُ الذي خَلَفَ مجلسَنا على التعاونِ مع المؤسسة الدولية (UNOPS)، وبتمويلٍ من الحكومة الألمانية، لتنفيذِ مشروعٍ جديدٍ لا يمتُّ بصلةٍ إلى المشروع الذي أنجزه مجلسُنا والذي كلّف مئات ألوف الدولارات. وبتكليفٍ من (UNOPS) قامَ استشاريٌّ جديدٌ، ليس من أهلِ الإختصاصِ بالمساحات الخضراء، بوضعِ تصميمٍ جديدٍ يلحظُ بخجلٍ بعضَ المساحاتِ الخضراء ويلغي مواقفَ السياراتِ لتتناسبَ كلفةُ التنفيذِ مع الميزانيةِ الموضوعة. ولقد وصلتني معلوماتٌ أنَّ كلفةَ التنفيذِ تخطت قرابة ثلاثة أضعاف الميزانية! واليوم نجدُ أن الحديقةَ، التي أرادها مجلسنا من أجملِ حدائق بيروت، تحولت الى مصطبةٍ خراسانيةٍ قبيحةٍ ومستنكرةٍ وخاليةٍ من المساحات الخضراء. الجديرُ ذكرُهُ، أنني تواصلت مع بعض أعضاء المجلس في ذلك الوقت، ونصحت بالعودةِ إلى التصميمِ الذي وضعه مجلسُنا وتلزيم تنفيذ المواقف فقط عن طريق نظام (BOT) وبالاتكال على مجلس الإنماء والإعمار، على أن تُستَعمل الهبةُ الألمانيةُ في تنفيذِ الحديقة فوقَ المواقفِ ووفقاً لدراستنا، ولكن لم تُثمِرْ النصيحة!
والسؤال اليوم: ما العمل؟ أنصحُ بلدية بيروت ورئيسَها ابراهيم زيدان، كما أنصحُ المحافظَ مروان عبود بعدم استلامِ الأعمالِ إلا بعد أن تُنفذَ الأعمالُ وفقاً للخرائط التي وضعها الاستشاري. كما أنصحهما بالعمل في المستقبل على تنفيذ الدراسة التي وضعها مجلسنا بطريقة (BOT)، وأنصحهما أيضاً عدم التعاون مع (UNOPS) لتنفيذ حديقة الرملة البيضاء، بعد أن تنامى إلى مسامعي أن (UNOPS) تقترح إلغاء المواقف وتعديل الدراسة.
بيروت أمانةٌ في أعناقِنا فلنتحدْ دفاعاً عنها وعن مرافقها وأصالتها وجمالها، ولنعمل على تولية الخيار الذين يغارون عليها ويستبسلون في الدفاعِ عن مصالحها وعلى نبذِ جميع من تخلّى عن مسؤوليته اتجاهها أو من لم يكن على مستوى وقدرِ تلك المسؤولية.
رئيس بلدية بيروت السابق