بيروت - لبنان

اخر الأخبار

22 تشرين الأول 2025 12:00ص «Stereotype» الخطاب الديني في لبنان: بين تقليدية الحناجر و(تسييس المنابر).. الناس ملّت ونَفرتْ

حجم الخط
(Stereotype) مصطلح يعبّر عن الصورة النمطية أو الفكرة المُسبقة التي تكون في نفوس البعض حول موضوع ما أو شخص ما، وهي صورة تؤدي إلى إصدار حكم مسبق مبني على تراكم التجارب التي أدّت بمجملها إلى تكوين هذا الحكم في نفس الإنسان، ومن هنا نقول وبالصوت العالي.. تخلّصوا من (Stereotype) الخطاب الديني في لبنان..
بكل صدق أقول.. الناس قد ملّت.. وضجرت.. ونفرت.. بل وابتعدت طواعية، لأن المشكلة الأساسية التي يعاني منها المسلمون اليوم من خلال تعاطيهم مع عدد كبير من الدعاة هي تلك النمطية والتقليدية التي تحكّمت بالأساليب والوسائل والمضامين حتى شعر كثير من الناس أن كلام هؤلاء ما هو إلّا استحضار لما قاله الأقدمون ثم إنزاله عنوة على الواقع المعاش، دون مراعاة للتغيّرات الكثيرة التي طرأت على عصرنا، وبالتالي فرّ الناس منهم وتركوا «ببغائية» الخطب والكلمات حتى أصبح النفور سيد الموقف..؟!
وليحاول كل منا أن يسأل أحدا من حوله عن الخطاب الديني اليوم في بلدنا... ما الجواب الذي سيحصل عليه..؟!
أكاد أجزم أنه لن يخرج عن إجابتين...
الأول.. فريق سيقول لك أن الخطاب الديني في بلادنا خطاب سياسي بحت، لا علاقة له بالدعوة ولا وبالعلم الديني..؟!
والثاني.. فريق سيقول لك.. خطاب تقليدي زاد في حجم الفجوة الحاصلة بين الدين والناس أكثر مما يقرّبهم إلى حقيقة وحضارة الدين..!؟ 

مفسدة التجهيل

والمفسدة التي غفل عنها الكثيرون (بل ربما يريدها البعض عن سابق قصد وتصوّر) هي أن هذه التقليدية البغيضة التي سيطرت على الخطاب الديني في لبنان تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن المجتمع يعيش في ركود وجمود، وبالتالي هو مجتمع ميت الأثر، ومقتول الفعالية، ومنعدم الحيوية، ولذلك هو غارق في مشاكل فكرية وتربوية واجتماعية تجعل من حاضره نقطة سوداء تشوّه بياض حضارته و«تسوّد» مستقبله، وبالتالي إن لم نسعَ فورا إلى التجديد في كل مجالات الحياة فلن نزداد إلّا تراجعا وانغلاقية وعصبية وتجهيلا.
وهنا قد يسأل أحدهم.. وهل هذا الأمر يتم بين ليلة وضحاها..؟!
نقول بالطبع كلا.. ولكن نعم.. قرار البدء بالإصلاح يتخذ بين ليلة وضحاها..؟!
فالمطلوب.. إعداد الخطط الدعوية التي تراعي الواقع المأساوي السائد في لبنان، ثم السعي فورا في تنفيذها.
والمطلوب.. تجهيز فريق عمل على مستوى عالٍ قادر على تقديم ما عجز الآخرون عن تقديمه..
والمطلوب.. البدء في تنشئة جيل جديد من الدعاة، تسلّح بالعلم الصحيح، والفكر الصحيح والفهم الصحيح، وأيضا العمل الصحيح ليكون (في المكان الصحيح) في المستقبل القريب..
كما أن المطلوب.. ابعاد أبواق الفتن وألسنة التخريب وأفواه (النفاق) عن الساحة الدعوية..
مشكلتنا أيها السادة أننا اليوم نعيش بين نارين يحرقان الأخضر واليابس..
الأولى... نار التقليد الأعمى القائم على الجهل والتبعية والسيطرة على العقول تحت مسمّيات دينية، يريدها البعض سبيلا للفوز بمكاسب خاصة وشخصية..
والثانية... نار التفلّت الرافضة لكل أمر إسلامي والناتجة أيضا عن جهل مطبق أراده البعض مترسّخا في عقول أفراد المجتمع.
والحل، هو أن نكشف زيف النارين وأن نطفئ لهيبهما، وأن نسعى في الوقت نفسه لإحلال أنوار العلم وأضواء المعارف الصحيحة في نفوس المجتمع كخطوة أولى نخرج من خلالها من سواد الظلام الفكري إلى عدالة الفكر الإسلامي.

كارثة دمج السياسة بالخطاب الديني

وهنا لا بد من الوقوف عند كارثة بكل ما للكلمة من معنى، وهي كارثة شوّهت الخطاب الديني في لبنان، وأبعدت الكثير من الأجيال عن حقيقته الناصعة..
فجريمة تقديم المذهب السياسي كمذهب ديني، والاستطراد في الحديث عنه على المنابر وفي أروقة المساجد، هي من الانقلابات الفكرية المدمّرة التي رسّخت في المجتمع ظاهرة تقديم المذهب السياسي للناس جميعا وكأنه مذهب ديني مفروض على الأتباع، وكل من لم يؤيد أو يناصر أو يدافع أو يصفق لهذا الاتجاه السياسي، فمشكوك في إيمانه وانتمائه للدين وللمذهب؟!
وهذه «المفسدة» ليست وليدة الأمس، ولكنها نتيجة اضطراب فقهي ودعوي وفكري وعلمي وتربوي واجتماعي، استقر في مجتمعاتنا منذ سنوات.
نعم.. صحيح أن الدين ليس بمعزل عن السياسة، ولكن علاقته بها هي علاقة الموجه والمراقب والساعي للإصلاح، فالله تعالى قد أمرنا فقال {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}، وأي أمانة أكبر وأعظم من صيانة حقوق الناس..؟!
فالدين الإسلامي الحنيف يرفض ظلم الساسة ويطالب بالعدل، وينكر فساد المسؤولين ويرفع لواء المحاسبة، ويواجه تسلط الجبابرة ويسعى لإنصاف المظلومين، ويكشف زيف المتآمرين ويأمر بإعادة الأمانات لأصحابها، ولا يقبل بتقديم المصالح الخاصة على حساب مصالح العامة، وكل ذلك لأن الدين في مقاصده سموّ فكري وأخلاقي، ولأنه حضارة إنسانية عادلة، ولأنه منهج رباني مبارك يريد من الأتباع أن يرفعوا من حياتهم بكل تفاصيلها ليكونوا على مستوى هذا الرقي، وأي تحريف أو تحوير سلبي سينعكس سوءا على صورة الدين في أذهان الناس والمجتمع.
فالدين ليس رأياً سياسياً، وليس تحيّزاً حزبياً، وليس انتماءً شخصانياً، وليس بطاقة انتساب إلى فصيل معين، كما أنه أيضاً ليس انضواءً تحت جناح حاكم «نجمّل» كل أخطائه بشعارات دينية مذهبية؟!
وهنا قد يقول قائل، لماذا يتدخّل كل رجال الدين في السياسة إذن؟
فنقول: نحن لا نريد من رجال الدين والعلماء أن يتدخّلوا بالسياسة، ولكن أيضا لا نريد من رجال السياسة أن يتدخّلوا بالدين، ويا ليتنا بدلاً من إيصال رجل الدين إلى السياسة نوصل الدين كفكر عادل وإنساني إلى عقل السياسي فيكفّ عن ظلمه وفساده.
ولا نقصد هنا بالسياسة مصالح الناس التي تُغتال كل يوم من قبل السياسيين، حتى بات المواطن في بلادنا مقهوراً ومحروماً ومظلوماً ومعدماً، فهذه مظالم وواجبٌ على كل من فهم الدين أن يطالب بها، ولكن نقصد بالسياسة (المفهوم اللبناني السلبي؟!)، أي دهاليز الكذب والنفاق والمصالح الضيقة التي تُبنى على الأنانية والفساد والإقصاء والمحاصصة الطائفية والمذهبية.
إن الخطاب الديني في لبنان (عند كل الطوائف والمذاهب) قد بسط ردائه العفن على عقول الكثير من الناس، حتى بات بينهم من لا يَرَون تحقيق مصالح الدين والمذهب، إلّا في انتخاب سياسيّ معيّن أو زعيم محدّد، بدلا من الوقوف مع الحق أينما كان لنصرته.
هذا الفكر جعل الناس في لبنان يتحركون من منطلقات دينية إيمانية - ويا للعجب..؟! - لتقديم «ابن مذهبهم» الفاسد والخائن والظالم والأناني والفاشل، على أي إنسان آخر من غير مذهبهم، وإن كان عاملاً وعادلاً وأميناً وصالحاً وصادقاً، حتى نفّر الناس من الدين نفسه..؟!
كل ما سبق، شوّه صفحة الدين الناصعة في عقول الناس، حتى صُّور لهم الدفاع عن كل ظالم من أبناء مذهبنا مطلوبا دينياً فقط لأنه من مذهبنا، ونسينا أن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قد قال «وَأيْمُ اللهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا».
إن الانتماء إلى الدين أعظم وأكبر وأجلّ من أن نجعل تحقيقه مرتبطاً بانتخاب زعيم أو الترويج لرئيس أو نصرة لشخص معين فقط لأنه من طائفتنا أو مذهبنا، ومن يفعل ذلك أو يروّج له يرتكب جريمة كبرى بحق الدين، وبحق المذهب، وبحق الناس، وبحق الوطن.