(نصٌّ إيمانيٌّ مستلهمٌ من سورة الجاثية (الآية 18–21، قرآن كريم):
{ثمّ جعلناك على شريعةٍ من الأمر فاتّبعها ولا تتّبع أهواء الّذين لا يعلمون} (18)
أن تكون مؤمناً... هو أن تسير، لا في أيّ طريقٍ، بل في طريقٍ مرسومٍ بنور الله.
الشريعةٌ ليست قيوداً، بل معالم طريقٍ، تخرجك من تيه الأهواء، إلى يقين الاهتداء.
شريعة النّور ليست سجناً، بل ميناءٌ تحتضن السّفينة من عواصف الهوى.
والسّير عليها ليس مشقّةً، بل نشوة فرحٍ لمسافرٍ عرف الخريطة بعد ضياعٍ طويلٍ.
{ولا تتّبع أهواء الّذين لا يعلمون}
كم من طريقٍ يبدو سهلاً... وهو في حقيقته ضياعٌ.
وكم من هوًى يلمع في القلب... وهو يبعدك خطوةً بعد خطوةٍ عن الحقّ.
الإيمان ليس أن تتّبع ما تريد، بل أن تهذّب ما تريد.
{إنّهم لن يغنوا عنك من اللّه شيئاً} (الجاثية: 19)
حين تضيع المعايير، يظنّ الإنسان أنّ النّاس سندٌ مطلقٌ.
ولكنّ الحقيقة أبسط... وأعمق: لا يغني عنك إلّا الله. لا صديقٌ، ولا جماعةٌ، ولا صوت جمهورٍ.
وتلك هي عقدة الحياة: أنّك ترى الأصحاب الكثيرين حولك، في عافيتك، فتحسبهم حصناً، وإذا هم ظلٌّ يزول إذا ولّى زهو الضّوء، أمّا الله فلا يتبدّل ولا يزول.
{وإنّ الظّالمين بعضهم أولياء بعضٍ واللّه وليّ المتّقين}
الإيمان يعلّمك أن تفهم خريطة العالم: هناك أنفسٌ تتجانس مع الظّلم، ونفسٌ تنحاز إلى العدل.
فلا تغترّ بكثرة السّائرين، بل انظر إلى صدق الحديث وإلى أداء الأمانة، إلى الوفاء والنّبل، إلى الوعي والتّقوى، إلى البر والاحسان، إلى الصبر والامتنان.
وهنا الطّمأنينة؛ ليس المؤمن وحده، معه: ولاية الله التي لا تهزم، وعنايته التي لا تغيب.
هذه معادلةٌ إلهيّةٌ في الولاء: الظّالمون يتناصرون، لكنّ نصرهم نصر قاصفٍ فوق رملٍ.
والمتّقون يظنّ النّاس أنّهم وحدهم، ولكنّهم مع الله الّذي إذا أراد شيئاً قال له: كن فيكون. فلا تحزن إذا رأيت الظّالم مع الظّالم، ووجدت نفسك وحيداً بين الظّلمة، لا من صاحب يرجى، ولا من صديق صدوق، ولا من رفيق رفوق، ولا نصير يعتمد عليه، أنت وحدك في الساح، تنظر الى تلك المراح، فلا ترى غير امر ربّك، ولطفه، وعونه، وعنايته، ورعايته، ورجائه.
{هذا بصائر للنّاس وهدًى ورحمةٌ لقومٍ يوقنون} (20)
الإيمان بصيرةٌ... ليس مجرّد معرفةٍ، بل رؤيةٌ تخترق الظّاهر، وتبصر الحقّ في عمق الأشياء.
وحين يصل الإنسان إلى اليقين، تتحوّل الحياة... من حيرةٍ إلى سكينةٍ، ومن قلقٍ إلى رحمةٍ.
البصائر هي المواهب الخفيّة: تعطى لمن لا يحبّ العجلة. من يرغب في اليقين لا في الرّياء.
{أم حسب الّذين اجترحوا السّيّئات أن نجعلهم كالّذين آمنوا وعملوا الصّالحات سواءً محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} (21)
ليست الحياة عبثاً... ولا الطّرق متساويةً، هيهات من السؤال، عن ما صار إليه الحال، فأنّى لك الجواب، أمام ربٍّ خبير، عليم قدير، وبالحكم ليس مثله من جدير.
فأنّى لي الجواب، أمام ربّ الأرباب؟!
لا يستوي من أضاء قلبه بالإيمان، ومن أظلمه بالخطايا؛ لا في الحياة... ولا في المآل.
هنا يسقط وهم المساواة أو الحياد بين الحقّ والباطل، ويبقى الميزان الإلهيّ وحده.
يوم الحساب ليس يوم الدّمار الّذي تخاف منه، بل يوم الكشف الّذي تخاف ألّا تكون فيه مستعدًّا.
خلاصة الوجدان:
أن تكون مؤمناً؛ هو أن تمشي على طريق الرّضا، وإن خالفتك الطّرق كلّها.
أن تثق بالله، حين يتزعزع فيكً، وحواليك، كلّ شيءٍ.
أن ترى بنور البصيرة، لا بخداع الظّواهر، أن ترى الصبح بازغاً، والظّهر ظهيرة.
أن تعلم أنّ الحقّ لا يقاس بالكثرة «الحًواش»، ولا يقدّر بالرّأي «الماشي»، بل يعرف بنور الله في القلوب، وفي الوعي بحقائق الدّروب.
وكأنّما، قالت لي الآيات: يا هذا، يا صاحبي، تكتب عن ذاتك وما فيه، والباحث عن الخطى في الطريقة الوثقى، يا من تختلج في صدره الحسرة على واقع الحال، وفي ذهنه ألف سؤال...
وتابعت الآيات: إنّ الطّريق واحدٌ وإن تشعّبت به الأقدام، والنّور واحدٌ وإن تعدّدت الظّلمات. فامض؛ فإنّ الله لا يضيع أجر من اهتدى.
والحمد للّه ربّ العالمين.
غازي منير قانصو