من المعلوم أن كل إنسان ليس له انتماء واحد، بل قد تتعدَّد انتماءات الإنسان باعتبارات مختلفة، وليس بالضرورة أن نجد تناقضا بين هذه الانتماءات، فالإنسان ينتمي إلى أسرته، وينتمي إلى قريته، وينتمي إلى محافظته أو مدينته، وينتمي إلى وطنه، وينتمي إلى محيطه الاقليمي، وينتمي إلى دينه، وينتمي إلى أمَّته وينتمي إلى الأسرة الإنسانية عموما.
ولكن المؤسف أن هذا التعدد الطبيعي أوجد إشكالية بمفهوم الوطن اليوم في لبنان أدّت إلى سوء فهم معنى الوطن وبالتالي سوء طريقة التعامل معه.
فاليوم - وبكل أسف وبشكل واضح - نرى مفهوم الوطن (أو الوطنية) عند بعض الناس ارتبط في وجدانهم أو في اللاوعي عندهم بفكرة العلمانية، يعني كلمة وطن أو وطنية أًصبحت عندهم مرادفة لكلمة علمانية، وحين تقول (الوطنية) يفهمون من كلامك محاربة الدين وإبعاد الدين ومناصرة التوجه العلماني والإلحادي، وهذا أمر خطأ تماما.
فكلمة الوطن أو الوطنية في ذاتها لا تحمل أيَّ مضمون أيديولوجي، بل هي مصطلح أو مفهوم مجرد تماما لا يدلّ على أي مضمون (ديني) ولا مضمون (لا ديني) ولا مضمون (علماني) ولا إلحادي ولا أي شيء، بل هو كلمة محايدة وللأسف نحن الذين نحمّلها ما تُحمَّل سواء من حقٍّ أو من باطل، ولذلك أصبح هناك عند الكثير من الناس اعتقاد أن فكرة الوطن أو الوطنية هي ضد الدين.
أيها السادة الوطن لا يتعارض أبدا مع الدين، بل العكس هو الصحيح، فحب الوطن والانتماء إلى الوطن والدفاع عنه والسعي لتحقيق مصلحته، هو جزء من إيماني كإنسان مؤمن، وهو مكوّن أساسي من مكوّنات الإيمان في قلبي، وأكبر دليل على ما نقول أن عندي كإنسان مسلم من مات دفاعا عن أرضه وعن وطنه... هو شهيد، لقول النبي صلى االله عليه وسلم (مَن مات دون ماله فهو شهيدٌ، ومن مات دون دمهِ فهو شهيدٌ، ومن مات دون أرضه فهو شهيدٌ).
وهنا لا بد أن نسأل: لماذا يعتبر الإسلام من مات دفاعا عن وطنه شهيدا؟
لأن الوطن وفكرة الوطن والانتماء إلى الوطن هي حاجة إنسانية لا يستوي حال أي بشري في غيابها، فلا بد من وطن ينتمي إليه، ولا بد من هوية ومن شخصية وطنية لهذا الانسان، وهذه حاجة إسلامية أيضا، ولا يمكن لأي إنسان أنه يعيش بلا وطن، ولذلك قال الله تعالى في القرآن الكريم: {قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} أي من الأسباب المشروعة للجهاد في الاسلام هي الدفاع عن الأرض التي هي الوطن.
والنبي صلى االله عليه وسلم حين أخرج من مكة ألم ينظر إليها فتوجه إلى مكّة قائلاً: «والله إنّك أحبّ أرض إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت»، بل أكثر من ذلك، إذ بعد فترة وجيزة من خروجه النبي صلى االله عليه وسلم من مكة وهو متأثّر بهذا الفراق وصل إلى منطقة اسمها الجُحْفَة وهي في شمال غرب مكة المكرمة وتبعد عن مكة حوالي 180 كيلومترا.. فأنزل الله تعالى عليه الآية الكريمة: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} فيفرح قلب النبي صلى االله عليه وسلم ويبشّره أنه إن شاء الله سيعود إلى مكة مع أنه في مكة تعرّض لكل أنواع الأذى ولكنه.. حب الوطن والأرض..!؟
ولذلك حين استقرّ في المدينة المنورة كان يقول (اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ)..
هل المواطنة تتعارض مع الدين؟
وهنا نأتي إلى سؤال آخر.. هل المواطنة (أو الوطنية) تتعارض مع الدين وتتناقض مع الإيمان..؟!
الجواب وبكل بساطة نجده في (وثيقة المدينة) التي أبرمها النبي صلى االله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة المنورة مباشرة يعني في السنة الأولى من الهجرة لتعلن ميلاد الدولة الإسلامية في الوطن الجديد.
ما نتيجة هذه الوثيقة...؟! لقد صهرت المجتمع المدني الذي كان يحتوي على تنوّع عقدي وثقافي وعرقي وعشائري في أمة واحدة..
المجتمع المدني الذي كان فيه المسلمون والوثنيون والمهاجرون من مكة والانصار والقبائل العدنانية والقحطانية والسامية جاءت وثيقة المدينة لتقول له (بسم الله الرحمن الرحيم هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ (رَسُولِ اللهِ) بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَأَهْلِ يَثْرِبَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ فَلَحِقَ بِهِمْ وَجَاهَدَ مَعَهُمْ... إِنَّهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ النَّاسِ).
فوثيقة المدينة بيّنت لنا أنَّ اختلاف الدين ليس - وبنص وبمقتضى الوثيقة - سبباً للحرمان من مبدأ المواطنة والتعايش ولا تعارض بينهما ولا تناقض بينهما، بل الكل يعاملون على أساس واضح من المساواة، ليس هناك مواطنون من الدرجة الأولى، ومواطنون من الدرجة الثانية بل الكل واحد أمام القانون وأمام الوطن.
إن المواطنة أو الوطن أو الوطنية كلمة في أصلها محمودةٌ ومطلوبةٌ إسلاميا، ولكن ما شوّه هذا المفهوم وما أساء إليه ونفر عدد كبير عنه هو سوء التطبيق أو الإساءات الإنسانية الخطيرة التي يرتكبها البعض تحت ستار الوطنية والمواطنة..؟!
إن مفهوم الوطن لا يتعارض أبدا مع الدين ولا مع الإيمان ولا مع الإسلام، ولكن الحقيقة التي علينا أن نعترف بها هي أن سكوت المواطن (أي مواطن) عن الظلم والفساد والقهر وكل ما يسيء للإنسان داخل هذا الوطن هو الذي يتعارض مع الدين، وأن انتصار المواطن (أي مواطن) بالبطش أو بالاحتيال أو بالتلاعب على مواطن مثله وأحيانا على الوطن نفسه تحقيقا لمآرب خاصة... هو الذي يسيء للدين وللوطن وللمواطن..؟!