قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إنّ التصاعد الخطير في جرائم المستوطنين ضدّ الفلسطينيين في الضفة الغربية، والذي بلغ ذروته مع انطلاق موسم قطف الزيتون، يجري في ظلّ غياب تام لأيّ إجراءات للردع أو المساءلة، وغالباً ما يُنفَّذ تحت حماية مباشرة من الجيش الإسرائيلي، بما يعكس نهجاً رسمياً ومنهجياً يهدف إلى توظيف عنف المستوطنين كأداةٍ لترسيخ السيطرة الإسرائيلية، بالتوازي مع تسارع وتيرة التوسّع الاستيطاني ومصادرة الأراضي، في مسعى لفرض الضمّ الفعلي للضفة الغربية وتهجير سكانها الفلسطينيين.
وذكر المرصد الأورومتوسطي في أنّ هذا التصعيد المنهجي يأتي ضمن مسعى أوسع لإحكام السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية عبر تفريغها من سكانها الفلسطينيين وتوسيع دائرة النفوذ الاستيطاني، جغرافياً ووظيفياً، وتحويل المستوطنين إلى أذرع تنفيذية للجيش في عمليات الاعتداء والمصادرة، وفرض أنماط جديدة من السيطرة الميدانية تُكرّس واقع الفصل والعزل بين التجمعات الفلسطينية، وتُجهض أي إمكانية لقيام كيان فلسطيني متصل أو مستقل.
وبيّن المرصد الأورومتوسطي أنّ فريقه الميداني رصد خلال الأسابيع الأخيرة تزايداً ملحوظاً في اعتداءات المستوطنين ضدّ الفلسطينيين، ولا سيما المزارعين، والتي شملت الاعتداء الجسدي وسرقة ثمار الزيتون وحرق الأشجار وتخريب الممتلكات ومنع الوصول إلى الأراضي الزراعية، موضحاً أنّ عشرات هذه الهجمات نُفّذت بحماية مباشرة من قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي، فيما شارك جنود في بعضها، في تجسيد واضح لوحدة المنظومة القائمة على تنفيذ سياسة الدولة باضطهاد الفلسطينيين واقتلاعهم من أراضيهم.
اعتداءات يومية
وأضاف المرصد الأورومتوسطي أنّ فريقه وثّق 324 اعتداءً نفّذها مستوطنون خلال 39 يوماً (منذ بداية تشرين الأول الماضي حتى 8 تشرين الثاني الجاري)، بمعدل ثمانية اعتداءات يومياً، موضحاً أنّ عنف المستوطنين خلال موسم قطف الزيتون الحالي يُعدّ الأعلى منذ سنوات، إذ وثّق الفريق نحو 163 هجوماً أسفر عن إصابة أكثر من 143 فلسطينياً، وإتلاف ما يزيد على 4,200 شجرة وشتلة في 77 قرية بالضفة الغربية.
ولفت إلى أنّ الهجمات التي ينفّذها مستوطنون مسلّحون على هيئة ميليشيات منظَّمة، تنطلق من المستوطنات والبؤر الاستيطانية غير القانونية المنتشرة في الضفة الغربية، أصبحت تمثّل ممارسة منهجية للعنف المسلّح ضدّ المدنيين الفلسطينيين، مؤكداً أنّ هذه المجموعات تعمل بتنسيق وثيق مع جيش الاحتلال الإسرائيلي وتحت حمايته، وتقتحم القرى والبلدات الفلسطينية، حيث تهاجم المنازل والمركبات وتعتدي على السكان وتهدّدهم بالرحيل، في إطار سياسة تهدف إلى بثّ الرعب ودفعهم قسراً إلى إخلاء مناطقهم القريبة من المستوطنات، بالإضافة إلى نصب خيام في الأراضي الزراعية الفلسطينية لتأسيس بؤر استيطانية جديدة تُستخدم منطلقاً لاعتداءات لاحقة وتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الأرض.
وأشار إلى أنّ مجموعات من المستوطنين المسلّحين هاجمت مساء السبت منازل الفلسطينيين في قرية «رابا» جنوب شرق جنين، واعتدت على سكانها بحماية من القوات الإسرائيلية، كما اقتحم المستوطنون منطقة تلّ ماعين شرق بلدة يطا جنوب الخليل، وهاجمت المواطنين واعتدت عليهم بالضرب، وأطلقت مواشيها في الأراضي الزراعية لعائلة مخامرة قبل أن تهاجم أفراد العائلة أثناء تواجدهم في أراضيهم وتعتدي عليهم مجدداً، فيما شاركت قوات الاحتلال في الاعتداء واحتجزت ثلاثة شبّان من العائلة بعد تعرّضهم للضرب.
ونبّه المرصد الأورومتوسطي إلى أنّ اعتداءات المستوطنين المتكرّرة تسبّبت في تهجير قسري لنحو 5,200 فلسطيني من قراهم وبلداتهم القريبة من البؤر الاستيطانية، في إطار خطة منهجية لإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي في الضفة الغربية وفرض وقائع ميدانية جديدة تُكرّس التوسّع الاستيطاني وتُضعف الوجود الفلسطيني في أراضيهم.
وأشار إلى أنّ الواقع الميداني يُظهر أنّ الفلسطينيين يتحوّلون إلى ضحايا مرتين؛ ضحايا لجرائم المستوطنين أولاً، ثم ضحايا لسياسات الاحتلال التي تُعاقبهم عند دفاعهم عن أنفسهم أو عن أراضيهم. ففي الوقت الذي يُمنح فيه المستوطنون الحماية القانونية والإفلات التام من المساءلة، تُلاحق سلطات الاحتلال الفلسطينيين وتعتقلهم بزعم «الاعتداء» أو «التحريض»، لمجرّد محاولتهم صدّ الهجمات أو حماية ممتلكاتهم والدفاع عن أنفسهم وأراضيهم.
وبيّن أنّ تسليح الحكومة الإسرائيلية للمستوطنين وتوفير الحماية القانونية والمؤسسية لهم يشكّلان انتهاكاً جسيماً لالتزامات إسرائيل بصفتها قوة احتلال، بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، لا سيّما واجبها في حماية السكان المدنيين الواقعين تحت احتلالها.
تواطؤ الأجهزة لحماية مرتكبي الجرائم
وأوضح أنّ تواطؤ أجهزة إنفاذ القانون والجيش في حماية مرتكبي هذه الجرائم، وامتناع السلطات القضائية عن مساءلتهم، أدّى إلى ترسيخ مناخ الإفلات التام من العقاب، إذ تُغلق الغالبية العظمى من الملفات دون أيّ محاسبة حقيقية، فيما لا تتجاوز نسبة الإدانات في الجرائم التي يرتكبها المستوطنون ضدّ الفلسطينيين 3%، ما يعكس تواطؤاً بنيوياً تتقاسم فيه السلطات العسكرية والقضائية مسؤولية حماية الجناة وتمكينهم من مواصلة انتهاكاتهم، ويُحمّل الدولة الإسرائيلية المسؤولية المباشرة عن هذه الجرائم بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني وقواعد المسؤولية الدولية عن الأفعال غير المشروعة.
وذكّر المرصد الأورومتوسطي بما أكّدته محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو/تموز 2024، بشأن أنّ أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون ضدّ الفلسطينيين، وعجز إسرائيل عن منعها أو معاقبة مرتكبيها بفعالية، إلى جانب استخدامها المفرط للقوة ضدّ الفلسطينيين، تسهم جميعها في خلق بيئة قسرية تُجبر الفلسطينيين على العيش في ظروف تهديد دائم وتقيّد وجودهم في أراضيهم المحتلة.
وأشارت المحكمة إلى أنّ إخفاق إسرائيل المنهجي في منع أو معاقبة الهجمات التي ينفّذها المستوطنون ضدّ حياة الفلسطينيين وسلامتهم الجسدية، إلى جانب استخدامها المفرط للقوة ضدّهم، يتعارض بوضوح مع التزاماتها القانونية، مؤكدة أنّ حقّ الحياة للأشخاص المحميين في الأراضي المحتلة مكفول بموجب المادة (46) من لائحة لاهاي، والمادة (27/1) من اتفاقية جنيف الرابعة التي تُلزم دولة الاحتلال بمعاملة الأشخاص المحميين معاملة إنسانية وحمايتهم من جميع أشكال العنف أو التهديد به، فضلاً عن المادتين (6/1) و(7) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية اللتين تضمنان الحق في الحياة والحماية من العنف والمعاملة اللاإنسانية.
كما رصد المرصد الأورومتوسطي استمرار التوسّع في إنشاء البؤر الاستيطانية العشوائية التي تحظى بحماية رسمية وغطاء سياسي من الحكومة الإسرائيلية، إذ أُقيمت عشرات البؤر الجديدة خلال العام الجاري في ظلّ تسهيلات حكومية واضحة، شملت الدعم المالي واللوجستي للمستوطنين وتزويدهم بالبنية التحتية اللازمة للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، ولا سيما في مناطق الأغوار وجنوب الخليل ونابلس.
وأوضح أنّ هذا النمط من التوسّع، قد يتخذ شكلاً «عشوائياً» ظاهرياً، إلّا أنه يتم في إطار سياسة مركزية منظَّمة تهدف إلى فرض وقائع ميدانية جديدة تُكرّس الضمّ الفعلي وتُقوّض وحدة الأراضي الفلسطينية.
المجتمع الدولي مطالب بالتحرّك العاجل
وطالب المرصد الأورومتوسطي المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لتنفيذ ما ورد في رأي محكمة العدل الدولية الصادر في 19 يوليو/تموز 2024، الذي أكّد عدم شرعية استمرار الاحتلال الإسرائيلي ونشاطاته الاستيطانية، ودعا إسرائيل إلى الوقف الفوري لجميع أنشطة الاستيطان، وإخلاء جميع المستوطنين من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإنهاء وجودها غير القانوني فيها بأسرع وقت ممكن، داعيا إلى إلزام إسرائيل بوقف بناء وتوسيع المستوطنات، وإلغاء جميع الإجراءات الإدارية والقانونية التي تتيح مصادرة الأراضي الفلسطينية، وإنشاء آلية حماية دولية فعّالة للمدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية.
كما طالب المرصد الأورومتوسطي المحكمةَ الجنائية الدولية بتسريع تحقيقاتها في الجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا سيما جرائم الاستيطان والعنف المنهجي والتهجير القسري والفصل العنصري، باعتبارها تشكّل جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي.