• الأمانة في زمن التحوّلات الكبرى
في العشرين من أيار عام 2018، خطت جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت خطوة دستورية وتاريخية بالغة الأهمية في مسار تداول السلطة؛ حيث جرى انتخاب مجلس أمناء جديد برئاسة الدكتور فيصل سنو، ليكون الرئيس الخامس عشر في تاريخ هذا الحصن العريق. لم يكن الدكتور سنو يتقدم لإدارة صرح يعيش في رغد مالي أو استقرار سياسي؛ بل تسلّم الأمانة متزامناً مع مشارف انفجار أعتى الأزمات البنيوية والمركبة في تاريخ لبنان الحديث، بدءاً من الانهيار النقدي عام 2019م، وجائحة كورونا 2020م، وصولاً إلى زلزال انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020م.
أمام هذه التحدّيات، أطلق الدكتور فيصل سنو حركة إصلاحية حديثة وغير مسبوقة، صاغت مفهوم «المقاصد الذكية والمنتجة»، ليعبر بالجمعية نحو فجر جديد بعد 143 سنة على التأسيس.
• الثورة الإدارية والتحصين المالي (إعادة صياغة الهيكلية)
انطلق الدكتور فيصل سنو في ورشة إصلاحية كبرى لإعادة هيكلة التنظيمات الإدارية وتحديث أنظمتها المالية واللوجستية لحمايتها من الانهيار الاقتصادي، وتمثلت هذه الورشة في:
- الهيكلة والترشيد: توقيع اتفاقيات مُمكَنَة لإدارات المستشفى والمدارس ودوائرها لتسييل المعاملات إلكترونياً، مع إلغاء اللجان العاملة في جوامع المقاصد لتوحيد المرجعية، وتطوير دائرة خدمات المدافن، وإعادة تنظيم دائرة الشؤون البيئية.
- الحقوق المالية وإبراء الذمة: انتزع العهد تحصيل بعض حقوق جمعية المقاصد العالقة من وزارة التربية الوطنية ووزارة الصحة العامة (تموز 2018)، وتوّج الورشة المالية في عام 2022 بإنجاز تاريخي تمثل في تجديد وتسوية جميع ديون جمعية المقاصد وحمايتها من فوائد المصارف.
- الهوية والمواكبة: إطلاق الشعار الجديد لجمعية المقاصد في نيسان 2020 ليعكس البُعد البصري الحديث للجمعية، وتطوير دار المقاصد للطباعة والنشر لتواكب مستلزمات العصر الرقمي، بالإضافة إلى إقرار عطلة مدارس المقاصد يومي السبت والأحد تماشياً مع الأنظمة الإدارية العامة.
• تحديث القطاع التربوي وصندوق المنح والمساعدات
أولى الدكتور فيصل سنو أهمية قصوى لشبكة المدارس المقاصدية في العاصمة والأطراف، ناقلاً إياها إلى عصر «المقاصد الذكية» من خلال صيانة وتطوير وتحديث الصروح التالية:
- منشآت العاصمة والأطراف: شملت الخط التطويرية مشروع تحديث ابتدائية أبي بكر الصديق (القنطاري)، وكلية عمر بن الخطاب (طريق الجديدة)، وكلية علي بن أبي طالب (الأشرفية)، وكلية خالد بن الوليد (الحرج)، ومدرسة الأوزاعي للخدمات الاجتماعية، ومعهد المقاصد للإعداد المهني والتقني (قصقص). فضلاً عن التطوير الشامل لمدارس القرى لربط الأطراف بالمركز (في المرج، بر الياس، مجدل عنجر، كامد اللوز، عرسال، جديدة الفاكهة، بيت أيوب، عكار العتيقة، ووادي خالد).
- إعادة التسمية والخط التحريري: جرى تغيير اسم ثانوية خديجة الكبرى العريقة إلى (ليسيه مقاصد - خديجة الكبرى) لتوائم النظم التعليمية الحديثة.
- شبكة الأمان التعليمية: لمجابهة الأزمة المعيشية، أطلق صندوق فؤاد مخزومي للمنح الدراسية لدعم العائلات المتعثرة، ونظّم دورة تدريب زراعي بدعم من «اليونيفيل» (كانون الأول 2020)، فضلاً عن توزيع الجوائز المالية في مسابقة رمضان، وترميم وتجهيز خلية خليل شهاب (حزيران 2020م) لتكون حاضنة للأنشطة.
• جامعة المقاصد.. مداميك المعرفة والتكريم الأكاديمي
شهدت جامعة المقاصد قفزة نوعية في عهد الدكتور فيصل سنو عبر عصرنة كلياتها وتوسيع حضورها الوطني:
- تأسيس وتطوير الكليات: جرى تطوير كليتي «التمريض والعلوم الصحية» و«الدراسات الإسلامية»، مع تأسيس وإطلاق كلية إعداد المعلمين (2021) لتأهيل الكادرات التربوية وفق المعايير الحديثة، بالتوازي مع تطوير المكتبة العامة للجامعة وتحديثها رقمياً بين عامي 2021 و2023.
• مستشفى المقاصد.. تحديث البنية الشفائية وصمود خط الدفاع الصحي الأول
بذل الدكتور فيصل سنو جهوداً جبارة لإبقاء مستشفى المقاصد التخصصي في طريق الجديدة خط الدفاع الصحي الأوحد عن العاصمة في أعتى الأزمات:
- المواجهة الوبائية والإنسانية: تصدر المستشفى صفوف المواجهة الأمامية عبر تأسيس قسم مكافحة فيروس كورونا (نيسان 2020).
- التحديث والتخصص الطبي: جرى تأسيس برنامج الإقامة للأطباء (2019)، وتجديد مركز الأمير نايف لتأهيل الكلى (26 تموز 2019)، وافتتاح قسم سرطان الأطفال (12 تشرين الأول 2022)، وتحديث جميع أقسام المستشفى والعيادات الخارجية، وتطوير المكتب الصحي الاجتماعي.
• التمكين الاجتماعي وتطوير «ورد المقاصد» وجمعيات الكفالة
شهد مركز ورد المقاصد عملية تطوير شاملة عام 2020 عبر تنظيم الدورات المهنية المعجلة، وتوزيع الأقنعة والكمامات لمواجهة جائحة كورونا. وفي أيلول 2020 تم افتتاح مطعم ورد المقاصد، وتوّج هذا المسار بترخيص وفتح متجر «ورد المقاصد» في سنتر المقاصد – مار الياس (27 تموز 2023) ليكون منفذاً تسويقياً لإنتاج السيدات، مع مشاركة المركز المستمرة في المعارض الحرفية.
• التلاحم البيئتي والانفتاح العربي والدولي والعمل الإفطاري الجامع
نجح الدكتور فيصل سنو في تعزيز حضور المقاصد محلياً ودولياً عبر ثلاثة محاور أساسية:
- اللقاءات والانفتاح التاريخي: توطيد العلاقات مع فعاليات العاصمة عبر التعاون مع «اتحاد جمعيات العائلات البيروتية» (2020 و2023)، وتوقيع اتفاقية دعم تلفزيون لبنان مع وزارة الإعلام (2023). وتوّج هذا الانفتاح بـ زيارة تاريخية إلى الفاتيكان (شباط 2024) لترسيخ قيم الحوار والعيش المشترك.
- تخليد الهوية: تم ترسيخ الهوية العاصمية بتدشين «بيت المقاصد» في المصيطبة، وتسمية «ساحة المقاصد» رسمياً (البربير سابقاً) عام 2024.
- الإفطارات السنوية والمكاشفة: استمرت الإفطارات الرمضانية كمنبر للمكاشفة وعرض الرؤى الاستثمارية والوقفية، وأبرزها الإفطار الاقتصادي في قاعة AVA (آذار 2024)، إلى جانب تنظيم المبادرات الثقافية والاحتفالات الوطنية مثل ذكرى الاستقلال وتأسيس الجمعية الـ145.
• تمهيد للعبور نحو آفاق جديدة
بانتهاء المحطات التحديثية الكبرى التي طبعت مسيرة الدكتور فيصل سنو، نكون قد شهدنا كيف نجحت المقاصد في عبور أعتى أمواج الأزمات البنيوية والمركبة التي عصفت ببيروت ولبنان في الألفية الجديدة، محولةً التحديات الجسام إلى فرص حقيقية للمأسسة والتطوير الرقمي والصحي.
إن هذا الصمود الإستراتيجي، والتمسك المطلق باستقلالية القرار المقاصدي والعروبي، أكد مرة جديدة أن الجمعية لا تتأثر بتبدل الظروف، بل تتجدّد أدواتها بتعاقب رجالاتها وقادتها العظام. ومع إتمام هذه الورشة الإصلاحية الحديثة، سلّم الدكتور فيصل سنو الأمانة للمهندسة ديانا علي طبارة (كأول سيدة تتولى المنصب)، بعدما شاركته المسؤولية كعضوة في مجلس الامناء، مكرّسة كل وقتها وجهودها المتفانية بلا حدود لخدمة الجمعية، حتى ذابت شخصيتها في كل ركن من أركان مؤسساتها.
ومع تولى الشابة الواعدة والطموحة ديانا طبارة رئاسة الجمعية، تبدأ المقاصد فصلاً تاريخياً غير مسبوق في مسيرتها الطويلة، بدخولها عهداً قيادياً جديداً تقوده للمرة الأولى في تاريخ الجمعية رئيسة من نسيج بيروت الأكاديمي والاجتماعي، لتستكمل مسيرة الوعي والهوية وصون الأمانة.
- يتبع: رئاسة ديانا طبارة: عبور المئوية والنصف بهندسة المستقبل وثورة التحديث المؤسساتي