بيروت - لبنان

اخر الأخبار

19 حزيران 2026 12:30ص فصل المسارين من سويسرا إلى واشنطن!

حجم الخط
مع بدء العد العكسي لفترة الستين يوماً التي حُددت للمفاوضات الأميركية ـ الإيرانية في سويسرا، دخل لبنان مجدداً دائرة الانتظار والترقب، ليس باعتباره طرفاً مباشراً في هذه المفاوضات، بل لكونه أحد أكثر الملفات تأثراً بنتائجها، ولا سيما بعد إدراج بند وقف شامل لإطلاق النار على مختلف الجبهات، بما فيها الجبهة اللبنانية.
اللافت في المرحلة الحالية أن واشنطن تبدو أكثر حرصاً من أي وقت مضى على تثبيت الهدوء في لبنان. فالإدارة الأميركية تدرك أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية يهدد بتقويض المناخ السياسي الذي تسعى إلى توفيره لإنجاح مفاوضاتها مع طهران، كما يفتح الباب أمام احتمالات تصعيد إقليمي واسع قد يطيح فترة التهدئة المطلوبة لإنجاز أي تفاهم محتمل. ومن هنا يمكن فهم الضغوط المتزايدة التي تمارسها واشنطن على تل أبيب لضبط إيقاع عملياتها العسكرية، والالتزام بقواعد اشتباك تمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
في المقابل، تنظر إيران إلى إدراج لبنان ضمن ترتيبات وقف النار باعتباره دليلاً إضافياً على صعوبة فصل الساحة اللبنانية عن حسابات التفاوض الإقليمي. فمن وجهة نظر طهران، فإن مجرد بحث الوضع اللبناني على طاولة التفاهمات الأميركية ـ الإيرانية يشكل اعترافاً عملياً بوحدة الساحات، وبتلازم المسارين اللبناني والإيراني، ويعزز موقعها التفاوضي عبر الاحتفاظ بأوراق ضغط متعددة.
غير أن هذا الاستنتاج لا يحظى بإجماع كامل. فواشنطن تحرص في مواقفها المعلنة على التأكيد أن هدفها هو منع انفجار الجبهات المتعددة بالتوازي مع التفاوض، وليس منح أي طرف حق التحدث باسم الدول المعنية أو التفاوض نيابة عنها. وهنا تحديداً يبرز الموقف اللبناني الرسمي الذي يسعى إلى تثبيت معادلة مختلفة قوامها الفصل بين التهدئة الأمنية، وبين الحقوق السيادية للدولة اللبنانية.
وتكتسب الجولة الخامسة المرتقبة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن أهمية استثنائية في هذا السياق. فمجرد استمرار هذه المفاوضات يشكل رسالة سياسية واضحة بأن بيروت متمسكة باستقلالية مسارها التفاوضي، وبأن معالجة القضايا العالقة على الحدود الجنوبية تتم من خلال الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، لا عبر أي مسار إقليمي موازٍ.
الواقع أن الأسابيع الستة المقبلة لن تكون اختباراً لجدية التفاهم الأميركي ـ الإيراني فحسب، بل أيضاً لمدى قدرة لبنان على تثبيت موقعه كطرف صاحب قرار مستقل. فبين سعي طهران إلى ربط الساحات، ورغبة واشنطن في احتواء التوترات الإقليمية، يبقى التحدي الأساسي أمام الدولة اللبنانية هو التمسك بمبدأ سيادي واضح: لا أحد يفاوض عن لبنان، ولا أحد يملك حق تقرير مستقبله خارج مؤسساته الشرعية.