بيروت - لبنان

اخر الأخبار

1 حزيران 2026 12:00ص بيروت كانت تستقبل حجّاجها بالزينات والعراضات والموالد والموائد ونحر الذبائح

حجم الخط
مع إشراقة شمس الأيام الأولى التي تلي انتهاء مناسك الحج في ديار الحجاز المقدّسة، تبدأ نفحات الفرح والترقّب بالإبحار نحو حواضر العالم الإسلامي، حاملةً معها تباشير عودة ضيوف الرحمن سالمين غانمين بعد أداء الفريضة الخامسة. وفي هذا السياق التاريخي والروحي، تمثّل مدينة بيروت، بحاراتها العتيقة وأحيائها المترابطة، نموذجاً استثنائياً في كيفية التعبير عن هذا الاحتفاء الإيماني والاجتماعي العميق. لم تكن عودة الحجّاج إلى ثغر بيروت مجرّد حدث عائلي عابر، بل كانت عيداً جامعاً تتداخل فيه مشاعر التقديس والبهجة بدموع التأثر والشجون، وتتضافر فيه جهود المحلّة بأكملها لتخليد ذكرى الرحلة التي كان يُنظر إلى العائد منها بوصفه مولوداً جديداً كُتبت له النجاة من مهالك السفر ومشقّاته البالغة...

*****

• مخاطر الطريق.. ولوعة الوداع الممزوج بالدموع

في تلك العقود الغابرة التي سبقت الطفرة التكنولوجية الحديثة وظهور وسائل النقل المعاصرة، كانت رحلة الحج قطعةً من العذاب، ومغامرةً غير مأمونة العواقب يكتنفها المجهول من كل جانب. فالبعد الجغرافي الشاسع، والمسالك الوعرة، وانتشار الأوبئة الفتّاكة، فضلاً عن تهديدات قطّاع الطرق والاعتداءات المتكرّرة التي كانت تتعرّض لها القوافل، جعلت من سفر الحاجّ البيروتي رحلةَ ذهاب قد لا يعقبها إياب.
من هنا، جرت العادات البيروتية المتوارثة على أن يقوم الحاجّ قبيل شدّ رحاله بزيارة الأهل والأقارب والأصدقاء والجيران فرداً فرداً في منازلهم، لطلب السماح وبراءة الذمّة من أي إساءة، تالياً وصيّته الشرعية، ومسدّداً ما عليه من ديون وتبعات مالية، وموكّلاً شؤون عائلته وتجارته لولده الأكبر أو لأحد أشقّائه الموثوقين. وكان في هذا الوداع ما يشبه كتابة الوصيّة بصمت، إذ كان الجميع يدرك أن الطريق إلى الحجاز طويل وشاقّ محفوف بالمخاطر.
وكان الحجّاج البيروتيون يلتحقون بقوافل الحج إمّا برّاً حيث ينضمّون إلى محمل الشام الشهير الذي يمر عبر بوابات المدينة، وإمّا بحراً عبر مرفأ بيروت التاريخي الذي كان يشهد مشاهد الوداع المؤثّرة التي تُدمي القلوب. وحين كانت قوافل العودة تقترب من تخوم المدينة، كانت المشاعر تتناقض وتتشابك؛ فإلى جانب البيوت التي كانت تصدح فيها الزغاريد وتهتزّ جدرانها طرباً بسلامة الغائب، كانت هنالك واجهات أخرى يلفّها الحزن والأسى، تولول فيها النساء وتجهش بالبكاء عند تسلّم متعلّقات حاجٍّ توفّي في مكة أو قضى نحبه في عرض الطريق، فكانت العودة طقساً إنسانياً معقّداً يجمع بين نشوة الانتصار الروحي ومرارة الفقد.

• بيروت تتزيّن.. حارات الروح تلبس حُلاها

تقديراً لتلك المشاقّ العظيمة، كانت الأيام التي تسبق وصول الحجّاج تشهد حركةً دؤوبة ونشاطاً لا يهدأ في شتّى أرجاء المحلّة البيروتية. إذ كان أهالي الحجّاج وأقاربهم يبادرون إلى إعلان الفرح عبر تزيين واجهات المنازل ومداخلها بسعف النخيل الأخضر وأوراق أشجار السرو الوارفة، كرموز دلاليّة تشير إلى النماء والخير والبركة الدينية. ولم تكن هذه الزينة تقتصر على النباتات فحسب، بل كانت تشمل تلوين الجدران بأصباغ مبهجة، مع رسم نقوش بدائية دافئة تمثّل الجمال الحاملة للمحمل والقباب والمآذن الشريفة.
واللافت في الروح البيروتية القديمة أن هذه الاستعدادات لم تكن شأناً عائلياً منغلقاً، بل كانت ممارسةً اجتماعية تشاركية بامتياز. حيث كان يتبرّع الجيران والأصدقاء في أحياء المدينة وحاراتها، بدافع التضامن والمحبة الخالصة، للمساهمة في إقامة الزينات الجماعية التي تمتدّ على طول الأزقّة والشوارع المحيطة بالمنزل، لتتحوّل المحلّة بأسرها إلى أسرة واحدة كبرى تحتفل بنجاة أحد أبنائها.
وكانت تُعلَّق اليافطات القماشية البيضاء المكتوبة بخطوط عربية رصينة بماء الذهب أو الحبر الأسود، حاملةً عبارات الترحيب والتهنئة التقليدية التي تحفظها الذاكرة الشعبية جيلاً بعد جيل، ومنها: «حجّ مبرور وسعيٌ مشكور وذنب مغفور بمشيئة الله»، و«هنيئاً لمن لبّى النداء ووقف بعرفات»، و«تقبّل الله طاعاتكم وغسل بالرحمة ذنوبكم»، و«هنيئاً لمن أنعم الله عليه بحج بيت الله الحرام».

• لحظة الوصول.. انفجار الفرح في ساحات المدينة

وعندما كانت أقدام الحجّاج تطأ أرض بيروت، كانت الفرحة تنفجر في كل اتجاه كانفجار ينبوع حبيس طال انتظاره. كانت العراضات البيروتية تملأ الشوارع والأزقّة؛ وهي مواكب احتفالية حماسية يقودها شباب المحلّة الأقوياء «القبضايات» مردّدين الأناشيد الدينية والأهازيج الزجلية المصحوبة بضرب الطبول والصنوج النحاسية التي كانت تدوّي في الآفاق.
وكانت أصوات الشباب تهزّ أركان الحي بحماس بالغ وهم يرتجلون:
«أول ما نبدأ ونقول.. صلوات على طه الرسول»..
«يا رايحين ع مكة خذوني معكم.. طير طاير بالهوا وبودعكم»..
وترافق هذه العراضات إطلاق «الرغاريد» (الزغاريد) البيروتية النسائية المتواصلة التي تنطلق كالشعاب المرجانية من النوافذ والشرفات الخشبية العتيقة، ونثر الأرز والزهور وماء الورد المقطر في البيوت على رؤوس العائدين تبرّكاً واحتفاءً بقدومهم الميمون.
ومن العادات الراسخة التي كانت تعبّر عن الشكر والامتنان للّه تعالى على سلامة الحاجّ، عادة نحر الخراف والذبائح عند عتبات البيوت والمداخل الرئيسية. فبمجرّد وصول الحاجّ، كانت تُنحر الذبيحة ليمرّ من فوق دمائها، كرمز للفداء ودفع البلاء وشكر النعمة، ثم كان الحجّاج يطبعون أكفّهم غارقةً بدم الخراف على جدران المنازل والبيوت طلباً للبركة وتأريخاً لليوم المشهود. ولم يكن هذا الطقس مجرّد استعراض، بل كان يحمل بعداً إنسانياً وتكافلياً عميقاً، إذ يُصار فوراً إلى توزيع لحوم تلك الذبائح على العائلات المستورة والفقراء والمساكين في الحي، لتعمّ الفرحة وتدخل البهجة إلى كل بيت.

• مجالس التهنئة.. وهدايا الديار المقدّسة المباركة

بعد انقضاء ساعات الاستقبال الأولى ونيل الحاجّ قسطاً يسيراً من الراحة، كانت البيوت تُفتح على مصاريعها لاستقبال وفود المهنّئين والمباركين من الأقارب والأباعد على حدّ سواء، أياماً متواصلة لا تكاد تنقطع. وكان الحاجّ يتربّع في صدر «الديوان» أو «العلّية» مجللاً بوقار الرحلة، ليبدأ في سرد تفاصيل رحلته الإيمانية الشاقّة، يصف وعورة الطرق وتقلّبات الطقس واللحظات العصيبة في الفيافي، وكيف تلاشت كل تلك الآلام الجسدية وتبخّرت فجأة بمجرّد ملامسة أعتاب الكعبة المشرّفة أو الوقوف في الروضة النبوية الشريفة، حيث يتملّكه خشوع روحي عميق ونفحات نورانية تنقله إلى عالم علوي طاهر.
وكان المهنّئون يحرصون على تقبيل يد الحاجّ ومسح وجوههم بملابسه طلباً للبركة، عادّين إياه مستجاب الدعوة لأن ذنوبه قد غُفرت وعاد كيوم ولدته أمّه. وكانت تتخلّل هذه الزيارات تقديم هدايا الحج المباركة التي جلبها العائد معه من الأرض المقدّسة لتوزيعها على محبّيه، والتي كانت تفوح منها روائح الحجاز العطرة: كميات من مياه زمزم الشريفة المسكوبة في أوانٍ صغيرة، والتمور السكرية والمدينية، والمصاحف المذهّبة، والسُّبحات المصنوعة من خشب الصندل أو اليسر، والبخور الفاخر، والمسك، وقصاصات من أقمشة الكعبة. وكانت هذه العطايا، على بساطتها المادية، تحمل قيمة روحية وجدانية لا تُقدَّر بثمن لدى أهل بيروت، وتُحفظ في البيوت كأثمن الذخائر.

• ولائم المحبّة والمدائح النبوية العطرة

ولأن بيوت الحجّاج كانت تكون غاصّة بالزوّار ومنهمكة بالاستقبال على مدار الساعة، فقد جرت العادة البيروتية الأصيلة التي تنضح بالشهامة والمروءة أن يتطوّع الأقارب والجيران المقرّبون لإعداد وإقامة ولائم كبرى على شرف الحاجّ العائد بعد أيام قليلة من وصوله. كانت هذه الولائم تُقام في ساحات الأحياء الفسيحة أو في البيوت العربية الواسعة، ويُدعى إليها وجهاء المحلّة والمخاتير وإمام المسجد وعموم الأهالي، مع تركيز نبيل على دعوة «العائلات المستورة» لضمان مشاركتهم في هذه البهجة الروحية والاجتماعية دون أي شعور بالحرج.
وكانت الوليمة تستهلّ بتلاوة مباركة من القرآن الكريم يرتّلها أحد المقرئين المشهورين بصوته الشجيّ، تليها كلمة دينية بليغة من وحي المناسبة يلقيها إمام المسجد، يتحدّث فيها عن فضل الحج ومكانة الطاعات وعظمة قيم الأخوّة والتكافل. بعد ذلك، كان يُدعى الجميع إلى المأدبة لتناول ما لذّ وطاب من الأطباق الشامية والبيروتية الأصيلة مثل «المغربية» و«القوزي» والحلويات التقليدية كـ «المفتقة» البيروتية الشهيرة التي كانت تُعدّ خصيصاً لهذه المناسبات السعيدة.
ولم تكن السهرة تنتهي بانفضاض المائدة، بل كانت تُختتم بالاستماع إلى السيرة النبوية العطرة والتواشيح والابتهالات الدينية والمدائح التي كانت تُحييها فرق الإنشاد الصوفي، ممّا كان يُضفي على الليلة طابعاً من السكينة الروحانية والصفاء الإيماني الطاغي، فتعود الأرواح هائمة في أجواء المشاعر المقدّسة التي قضى فيها الحجّاج أيامهم الأطهر، وتختلط دموع الشوق الخالص بعبق التراث الجميل.

• أصالة التراث في العصر الحديث

إن أداء مناسك الحج في عصرنا الحديث، بما يشهده من تيسير هائل وتسهيلات خدماتية ولوجستية وأمنية متطوّرة، قد نزع عن هذه الرحلة طابع المخاطرة الجسدية الشديدة وأهوال الهلاك التي كانت تكتنفها في الماضي. إلّا أن جوهر العادات الاحتفالية التقليدية البيروتية بقدوم الحجّاج ما زال قائماً ونابضاً في وجدان المدينة العريقة، يتجدّد مع كل موسم حج وتعود معه تلك الأجواء الزاهية والمحبّبة التي ترفض النسيان.
فتعليق سعف النخيل على الأبواب، ورفع لافتات الترحيب في الأزقّة الضيقة، وتوزيع ماء زمزم والتمور على الجيران والأحبّة، كلّها طقوس راسخة تعزّز أواصر اللحمة الاجتماعية وتؤكّد على أن بيروت ستبقى دائماً مدينة الوفاء والألفة والقيم الروحية السامية. كانت تلك بيروت التي تعرف كيف تُودّع وكيف تستقبل، كيف تبكي وكيف تفرح، كيف تجعل من عودة كلّ حاجٍّ إلى حيّه حدثاً يجمع القلوب ويوحّد الأرواح، في زمن كانت فيه المحبة لغةً يفهمها الجميع، والفرح ملكاً مشتركاً لا يحتكره أحد، بل تتقاسمه المحلة بكل رضا ونقاء.