بيروت - لبنان

اخر الأخبار

13 آذار 2026 12:00ص بيوت الله في بيروت: رحلة عبر قرون من الإيمان والعمارة (20)

زاوية الراعي: صلوات «باب يعقوب» وذاكرة الأسواق المنسية

حجم الخط
في جغرافيا بيروت القديمة، لم تكن الأبواب السبعة مجرد نقاط عبور عسكرية، بل كانت «مفاصل» حيوية تلتقي عندها حياة المدينة بظاهرها. وعند الجهة الجنوبية، كان يقف «باب يعقوب» شامخاً، يفتح ذراعيه على فضاءٍ رحب عُرف بـ «ساحة عصور» (ساحة رياض الصلح اليوم). في هذا الحيز الجغرافي الذي كان يشهد احتفالات البيروتيين وأعيادهم الشعبية قبل انتقالها إلى الحرج، نبتت «زاوية الراعي» كواحة روحية صغيرة، تمنح الداخلين والخارجين من الباب لحظة تأملٍ وطمأنينة وسط ضجيج القوافل وصيحات الباعة.
إن قصة زاوية الراعي هي قصة «الصمود الروحي» في وجه التحولات العاصفة؛ فهي من المعابد القليلة التي نجت من معاول الهدم إبان الاحتلال الإفرنجي الثاني لبيروت (1197-1291م)، وبقيت شاهدة على عصرٍ كان فيه «المرابطون» والعلماء هم حراس الهوية في قلب الثغور.

• الشيخ حسن الراعي المغربي: نفحة من بلاد المغرب

تنتسب هذه الزاوية إلى العارف بالله الشيخ حسن الراعي المغربي، وهو واحد من كبار العلماء والزهاد المسلمين الذين قدموا من بلاد المغرب العربي في القرن السادس الهجري. إن استقرار عالم مغربي في بيروت وتأسيسه لزاوية عند «باب يعقوب» سنة 1203م، يترجم عالمية بيروت الروحية في تلك الحقبة؛ حيث كانت تجذب الأتقياء من أطراف الأرض للرباط فيها.
فوق باب الزاوية، كانت تستوقف العابرين نقيشة حجرية (بلاطة) تختصر تاريخ المكان بكلماتٍ نورانية: «بسم الله الرحمن الرحيم. لا إله إلّا الله محمد رسول الله، الشيخ حسن الراعي سنة 600». هذه النقيشة لم تكن مجرد تاريخ بناء، بل كانت صك ملكية روحية للشيخ الذي «قدّس الله سرّه ونوّر ضريحه»، وجعل من غرفته مصلىً ومركزاً للتدريس، يبث فيه علوم الدين والزهد في نفوس البيروتيين.

• هندسة «المصليات الصغرى»: بساطة الإيمان القليل

لم تكن زاوية الراعي مسجداً جامعاً بمئذنة وقبة شاهقة، بل كانت تنتمي إلى طراز «المصليات الصغرى». وكما وصفها المؤرخ صالح بن يحيى في «تاريخ بيروت»، كانت هي وجامع الأوزاعي وجامع شمس الدين في بداياتها تفتقر إلى المنابر والمآذن.
ويعزو التاريخ ذلك إلى حقيقة ديموغرافية هامة؛ إذ كان المسلمون في تلك الحقبة يمثلون قلةً عددية لا تصل إلى «الحد الأدنى» لوجوب صلاة الجمعة والجماعة الكبرى (أربعون رجلاً وفق المذهب الشافعي السائد آنذاك). لذا، جاءت الزاوية لتعبر عن «إسلام الثغور»: بساطة في البناء، تركيز على الذكر الفردي، وحلقات تعليمية ضيقة، بعيداً عن ضخامة المساجد السلطانية التي ظهرت لاحقاً.

• زاوية التجار والحرفيين

رغم صغر حجمها، كانت زاوية الراعي «القلب النابض» للحياة المهنية في منطقتها. كان يرتادها فئات محددة من أرباب المهن الذين شكلوا عصب الاقتصاد البيروتي القديم: الخراطون - الخياطون - باعة سوق الرصيف.

• أمانة النظارة: عائلات بيروت تحمي الوقف

لم تكن الزاوية لتصمد لقرون لولا نظام «النظارة» (التولي) الذي تعاقبت عليه عائلات بيروتية عريقة بعقدٍ من الصلاح والتقوى. تذكر الوثائق الشرعية المؤرخة في 23 جمادى الثانية سنة 1291هـ، كيف انتقلت النظارة بعد وفاة الحاج حسين علي المناصفي إلى الشيخ عبد الحميد بن الحاج عمر يموت، ثم إلى ولده الحاج سعد الدين يموت، وصولاً إلى تعيين الشيخ عبد الرؤوف النصولي إماماً متطوعاً.
هذه الأسماء (المناصفي، يموت، النصولي) تعكس الانخراط العائلي البيروتي في حماية «الأوقاف الصغرى»؛ حيث كان «الناظر» يعتبر قيامه على شؤون الزاوية وساماً روحياً لا يبتغي من ورائه إلا مرضاة الله وحفظ ذكر الشيخ الراعي. وتكشف سجلات المحكمة الشرعية عن ثراء أوقاف هذه الزاوية، التي تضمنت «أحكاراً ودوراً وأرطالاً من الزيت»، كانت تُصرف لإنارة المصلى وإطعام المنقطعين.

• الغياب الحزين: الحرب العالمية ومحو الأثر

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، بدأت ملامح بيروت القديمة تتغير قسراً. ويرجح المؤرخون أن زاوية الراعي تهدمت خلال تلك الحقبة المظلمة، أو أزيلت ضمن مخططات التحديث التي طالت «شارع فخر الدين» (شارع المصارف اليوم).
المكان الذي كانت تصدح فيه الأذكار، بُني عليه لاحقاً «مركز الإطفائية القديم»، ثم تحول الشارع إلى مركز مالي عالمي يضج بحركة المصارف والبورصة. لقد اختفت النقيشة الحجرية، وغاب ضريح الشيخ حسن الراعي، واندثر سوق الخراطين، لكن الذاكرة البيروتية تأبى أن يطوي النسيان «سيدنا الشيخ حسن الراعي» الذي قدس الله سره».

حين تفتقد المدينة زواياها

إن البحث في تاريخ زاوية الراعي ليس مجرد بحث في حجارةٍ زالت، بل هو استعادة لروح «التكافل الروحي» الذي ميز بيروت. فكل زاوية كانت بمثابة «صمام أمان» اجتماعي يربط التاجر بالصانع، والفقير بالولي. واليوم، ونحن نسير في شارع المصارف الحديث، وبين الأبنية الشاهقة مثل بناية «بان أميركا»، يجدر بنا أن نتذكر أن تحت هذا الإسمنت كانت ترقد عتبة مقدسة، صلى عليها أجدادنا بقلوبٍ صافية، تاركين لنا أمانة الحفاظ على «قدسية المكان» وإن غاب البنيان.
زاوية الراعي، برحيلها، تركت فراغاً في سجل «باب يعقوب»، لكنها ستبقى في سلسلة حلقاتنا هذه شاهداً على أن بيروت كانت وستبقى مدينة «الأولياء» الذين حرسوا أبوابها بصلواتهم، قبل أن تحرسها الجيوش بأسلحتها.