بيروت - لبنان

اخر الأخبار

14 آذار 2026 12:00ص بيوت الله في بيروت: رحلة عبر قرون من الإيمان والعمارة (21)

جامع عين المريسة: حوار الموج والمآذن.. وحارس ذاكرة الشاطئ البيروتي

حجم الخط
في تلك البقعة الساحرة من غرب بيروت، حيث كانت مياه المتوسط تداعب صخور الشاطئ الخام قبل أن يروضها الإسمنت، يرتفع صرحٌ يختصر جمالية العلاقة الأزلية بين الإيمان والبيئة البحرية. إنه «جامع عين المريسة». هذا المسجد الذي يتراءى للناظر من بعيد كأنه «منارة» تهدي السفن التائهة، هو في الحقيقة «مرسى للروح» في محلةٍ كانت وما زالت تمثل الهوية البحرية الأصيلة للعاصمة. في هذا الجزء الأول، سنبحر في تاريخ المحلة، وكيف تحول «المصلى» المتواضع عند حافة الموج إلى حقيقةٍ معمارية زيّنت شاطئ بيروت لأكثر من قرن وربع.
• جغرافيا المكان: سر «العين» ورمزية «المريسة»
قبل أن نغوص في مداميك الحجر، لا بد من استحضار روح المكان. تسمية «عين المريسة» لم تكن عفوية؛ فالمنطقة كانت تشتهر بـ «عين ماء» عذبة تنبع من بين الصخور القريبة من الشاطئ، كانت مياهاً باردة تروي عطش الصيادين وعابري السبيل. أما «المريسة»، فهي تصغير لكلمة «مرسى»، حيث كان هذا الخليج الصغير يمثل الملاذ الآمن لقوارب الصيد (الفلوكات) من العواصف الشمالية والجنوبية الغربية.
في هذا المناخ الذي يفوح برائحة اليود وشباك الصيد المجففة تحت الشمس، كانت الحياة بسيطة وفطرية. ومع توسع المدينة خارج الأسوار في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، برزت الحاجة الماسة لمركز إشعاع ديني يجمع شتات «أهل البحر». فكان القرار ببناء مسجد يطل مباشرة على الميناء، ليكون أول ما يراه الصياد عند خروجه إلى اليم، وآخر ما يودعه عند عودته إلى اليابسة.
• من الواهب ومن الباني؟ قصة التكافل البيروتي
لا يمكن الحديث عن جامع عين المريسة دون تخليد الأسماء التي جعلت من هذا الحلم حقيقة ملموسة. وتذكر سجلات الأوقاف والوثائق التاريخية أن قطعة الأرض التي يقوم عليها المسجد، والتي تقع في موقع استراتيجي نادر على الشاطئ، كانت هبةً كريمة (وقفاً) من الوجيه والتاجر البيروتي الحاج محمد الهبري. هذا الرجل الذي آمن بأن أعز بقاع الأرض هي المساجد، أراد أن يكون لصيادي وأهل المريسة بيتٌ يجمعهم.
أما مهمة التشييد والعمارة ومتابعة البناء بكل تفاصيله، فقد تصدّى لها الوجيه البيروتي المعروف عبد الله بيهم، وهو سليل عائلة «بيهم» العيتاني التي ارتبط اسمها بالنهضة العمرانية والخيرية في بيروت. بفضل تضافر جهود الوهب من الجندي والإعمار من بيهم، نبت هذا المسجد من بين الصخور الصماء ليكون صدقة جارية تجسّد روح التعاون بين عائلات بيروت لخدمة بيوت الله.
• ولادة المسجد: هندسة الرباط في مواجهة البحر
بُني جامع عين المريسة في أواخر القرن التاسع عشر (حوالي عام 1887م)، واجهت عملية البناء في البداية تحديات طبيعية قاسية؛ فالموقع ملاصق لخط الماء، والتربة صخرية ملحية. استقدم عبد الله بيهم أمهر «المعمرين» البيروتيين الذين جلبوا الحجر الرملي (الراملي)، وهو الحجر الوحيد الذي يمتلك «رئة» تتنفس الرطوبة ولا يتفتت بسهولة تحت ضغط الملح والرياح البحرية العاتية. جاء المسجد في صيغته الأولى ليعبر عن روح العصر؛ بساطة في التكوين، ورصانة في الجدران، وتركيز على «القبلة» التي تواجه البحر، ليفتتح الصيادون نهارهم ببركة الأذان قبل رمي شباكهم في اليم.
• الجامع والصيادين: حلف الإيمان والرزق
ارتبط جامع عين المريسة وجدانياً وتاريخياً بـ «صيادي الأسماك». فالمسجد لم يكن للصلاة فحسب، بل كان «نادياً» يجتمع فيه كبار الصيادين (الرياس) للتشاور في أحوال البحر والأنواء والتباحث في «الرزق الحلال». وكان هناك تقليدٌ جميل ساد لسنوات طويلة، وهو أن «البركة» الأولى التي يخرج بها الصياد من البحر عند الفجر، يُخصص جزء منها لخدمة المسجد وإطعام الفقراء المترددين عليه، تعبيراً عن شكر النعمة لرب البحر والبر.
هذه العلاقة العضوية بين المسجد والمهنة جعلت من «عين المريسة» قريةً متماسكة حول جامعها. فالمؤذن لم يكن يرفع الأذان للمصلين فقط، بل كان يرفعه إعلاناً للصيادين بأن وقت «الرزق» قد حان. ومن هنا، صار الجامع يمثل «البوصلة الروحية» لكل من يركب البحر في تلك المنطقة، وحارس الأحلام الصغيرة التي تُعلق على أطراف الشباك.
• التحوّلات العمرانية: الصمود  في وجه التحديث
مع مطلع القرن العشرين، وتحديداً في فترة التسعينات، شهدت منطقة عين المريسة تحوّلاً دراماتيكياً مع شق «الكورنيش البحري» وتوسعة الطرقات. خشي الكثيرون حينها أن يبتلع «التطوير المدني» هذا المسجد العتيق، لكن التعلق الشعبي بالجامع، وقوته الروحية كأقدم معلم في المحلة، فرضا بقائه كمعلمٍ ثابت لا يُمَس وسط فوضى التغيير، ليظل متمسكاً بأرض الشيخ مصباح الجندي وبناء عبد الله بيهم.
بل إن عمليات التوسعة والترميم التي جرت لاحقاً حوّلت الجامع من مصلى محلي صغير إلى «أيقونة» معمارية تستوعب مئات المصلين. تم الحفاظ على «النواة» الأصلية الأثرية، وأُضيفت إليها أروقة وقاعات حديثة تتناسب مع النهضة العمرانية التي شهدتها بيروت الغربية، لتصبح مئذنته الأسطوانية علامةً فارقة وسط الفنادق والمباني الحديثة التي بدأت ترتفع حوله، مؤكدة أن «الأصيل» لا يزول بزوال الزمان.
• صمود الحجر: الرباط الذي لا يهرم
رغم مرور أكثر من 135 عاماً على تأسيسه، ما زال جامع عين المريسة يحتفظ بـ «شبابه المعماري». والسر يكمن في «الأساسات» التي وُضعت بتقوى وإتقان لتواجه أمواج المتوسط العاتية. فالمسجد الذي شهد «النوات» البحرية الكبرى، ونجا من اهتزازات الحروب والقصف، ظل شامخاً ليؤكد أن المنشآت التي تُبنى لخدمة الناس وللّه، تمتلك حصانةً إلهية ضد الاندثار.