قال الله سبحانه وتعالى: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} [الأعراف: 85]، أي لا تظلموا الناس حقوقهم، بل أوفوهم ما يستحقون بإقامة العدل من غير وَكْس ولا شطط، العدل الذي اتبعه الأنبياء جميعاً، ومن هذا المنطلق، يبرز واجب الحفاظ على حقوق المواطنين في أية عملية سياسية أو اجتماعية أو خدماتية.
ومع اقتراب دخول البلاد في المرحلة التحضيرية للاستحقاق الإنتخابي، تزداد الحاجة الملحّة في مدينة بيروت، بما لها من رمزية وطنية ودور محوري في الحياة العامة، إلى إعادة تأكيد حضورها عبر تمثيل قادر على مواجهة التحديات المتراكمة، من التهميش والبطالة المستفحلة في صفوف الشباب، إلى الضغوط الاقتصادية المتصاعدة، لتحويل مطالب الناس إلى عملٍ فعلي داخل المؤسسات، بعيداً عن الشعارات والمقاربات الظرفية.
لقد بات واضحاً خلال السنوات الماضية أنّ الناخب البيروتي أصبح اليوم أكثر وعياً، وأكثر مطالبة بتمثيل يتقاطع مع أولوياته الواقعية بعيداً عن الخطابات التقليدية. فالآراء المتداولة تعكس رغبة متزايدة في مراجعة الخيارات، وفتح المجال أمام وجوهٍ قريبة من معاناة أبناء بيروت، المتمرّسة في متابعة شؤونهم، والقادرة على التعبير عنهم بصدق ومسؤولية، خصوصاً في ظل ما يلحق بهم من إجحاف في معظم المؤسسات وعلى مختلف المستويات.
وفي هذا الإطار، تبدو مدينة بيروت اليوم أمام حاجة فعلية إلى دعم من ينصف أبنائها قولاً وفعلاً، ومغالبة متطلباتهم انطلاقاً من التزام حقيقي بقضاياهم ومن موقع العمل لا الادّعاء.
فبيروت تحتاج إلى من يعيش يومياً تفاصيل حياة أهلها وتحدّياتهم، بعيداً عن الوعود الموسمية.
ومن هنا يُطرح السؤال: هل سيبادر بعضهم من الذين يبدأون ويعتقدون ويرغبون بالديمومة إلى تمحيص ما قدّموه فعلاً لهذه المدينة وأهلها، قبل الاستمرار في المرحلة نفسها؟
إنّ بيروت تحتاج إلى من يرى في إنصافها واجباً لا ترفاً، من يعمل لأجلها، ويقف إلى جانب أبنائها في ظل البطالة ومعاناتهم، ويبحث عن حلول لمشكلاتهم بالإضافة إلى المساهمة في تشريع القوانين، ليكون جزءاً مما يتوق إليه أهل العاصمة.
ويقول الله عزّ وجّل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً} لاعتماد الخطاب المسؤول الصادق، في مرحلة تحتاج فيها بيروت إلى وضوحٍ ومصارحة تتجاوز الاستعراض أو حسابات المكاسب، تسعى فعلاً إلى خدمة الناس، تحقيقاً للمصلحة العامة، بما يتجاوز الوعود وصولاً إلى جوهر المسؤولية في الأداء والممارسة.
ويبقى القرار أولاً وأخيراً في يد أبناء العاصمة، فهم وحدهم القادرون على تقييم من يستحق ثقتهم، ويخفف معاناتهم، ومن سيشكّل امتداداً لصوتهم وطموحاتهم.
هنية الدنا
دراسات إسلامية عليا - أكاديمية باحثة في القضايا السياسية وانعكاساتها المجتمعية