بيروت - لبنان

اخر الأخبار

11 تشرين الثاني 2025 12:00ص دستور المدينة: نَحْوَ ميثاق لبنانيّ لاستعادة التكافل المدني وتجاوز الانقسامات

حجم الخط
د. تاليا عراوي*

إذا قضيت أي وقت في تصفّح منصات التواصل الاجتماعي، فإن الواقع القاسي لتفكك لبنان يصبح واضحاً بشكل صارخ. نقرأ التعليقات الصادرة عن أشخاص من مختلف المناطق والأديان والميول السياسية، ويدهشنا هذا التباين: هذه الأمة لم تعد كياناً واحداً. هذا التباعد الرقمي المُقلق يعكس الأزمة الجوهرية للجمهورية اللبنانية: دولة لا يُعرّفها رباط مدني مشترك، بل انقسامات عميقة ومستمرة بين الفئات الدينية والسياسية. لقد لخص العبقري الساخر زياد الرحباني هذا الفشل منذ زمن بعيد بقوله: هي بلد لأ مش بلد، هاي قرطة عالم مجموعين.. مقسومين...
على النقيض من هذا الانشطار البارد، تحمل ذاكرتنا الجماعية مشاهد تروي قصة التماسك الحقيقي، حتى في أحلك الظروف. فخلال الحروب التي عشناها كلبنانيين، لا يمكن لأحد أن ينسى كيف كنا جميعاً نختبئ في الملجأ الواحد: أناس مختلفون، ديانات متباينة، ومراكز اجتماعية ومادية متباينة. كنا تحت سقف واحد، نتشارك الخوف والأمل، وكنا جميعاً واحداً، مجردين من ألقابنا. كم هو محزن أن نرى هذا الرابط الإنساني النقي يتلاشى ليحلّ محله الولاء الضيق والزبائنية. 
هذا الشعور العميق يحدّد المشكلة: يُنظر إلى لبنان ويُحكم ليس كأمة ذات سيادة تنتمي إلى شعبها، بل كأصل قابل للقسمة ومُخصخص.
إن المصدر الأبرز لهذا الغياب في التماسك الاجتماعي هو ثقافة سياسية يمنح فيها المواطنون ولائهم الأساسي ليس للدولة ذات السيادة، بل للزعماء السياسيين والطائفيين.
يمثل هذا الخلل الوظيفي المؤسسي إخفاقاً مطلقاً في دعم المتطلبات الأكثر جوهرية للحكم الرشيد، كما هو مفهوم في الأهداف العليا للشريعة الإسلامية، أو مقاصد الشريعة.

صون الضروريات الخمس

فمن الثابت أن الهدف الأساسي لكل نظام حكم شرعي هو الحفاظ على المصلحة العامة من خلال صون الضروريات الخمس. لكن الهيكل القائم، عبر تسييره للولاءات المشتتة، يقوّض ثلاثة من المقاصد الأساسية:
أولاً، حفظ النفس، عبر تدهور البنية التحتية، وانهيار القطاع الصحي، وتفشّي الفلتان، ما يُعرّض حياة المواطنين وسلامتهم للخطر.
ثانياً، حفظ المال، من خلال استشراء الفساد ونهب المدخرات العامة والتحكّم بالموارد، ما يمثل سرقة جماعية لمستقبل الأمة.
وثالثاً، حفظ العقل، بالترويج للجهل الطائفي والتحيّز عبر الإعلام والتعليم المنفصل، يتم تقويض قدرة المواطن على التفكير النقدي اللازم لتشكيل وحدة مدنية فاعلة.
تنشط الديناميكية السياسية الحالية في تطبيق الاستراتيجية المدمّرة: فرّق تسد، وتستفيد النخب الفاعلة من الحفاظ على الانقسام، فتضمن بذلك عدم نشوء أي تيار وطني عابر للطوائف يمكنه تحدّي سلطتها. وعبر الإصرار المستمر على الفروقات المجتمعية، يتم شلّ قدرة المواطنين على التوحد حول المطالب الاقتصادية والمعيشية المشتركة، ما يضمن للنخبة سيطرة غير منقطعة على مقدرات البلاد.
إن هذا المسار يُفضي حتماً إلى تدمير مبدأ التكافل الاجتماعي. فبدلاً من أن يكون المجتمع مبنياً على الإلزام المتبادل حيث يضمن الكل للجزء حقه، استُبدل هذا الميثاق بالزبائنية المفترسة، حيث يقتطع الزعيم حصة من الثروة العامة المُنهوبة ويوزعها على فئته فقط كصدقة من ماله الخاص، ما يضمن بقاء الولاء مرهوناً بالمنفعة الفردية دون الارتقاء إلى المستوى الوطني.
لقد أكدت الفلسفة على أن التماسك الاجتماعي ليس مجرد خيار، بل هو الأساس الأخلاقي والوظيفي لبقاء أي كيان سياسي، فرأى أرسطو أن الوجود يكتمل بـالحياة الطيبة ضمن المجتمع، وأن الصداقة هي الرابط الأساسي الذي يمنع التفكك.
وربط روسو شرعية الدولة بتحقيق الإرادة العامة التي تتجاوز المصالح الفردية الضيقة. أما عالم الاجتماع دوركهايم فاعتبر التضامن الاجتماعي المِلاط الأخلاقي للمجتمع، وميّز بين تضامنين (آلي وعضوي)، محذّراً من أن غيابه يؤدي إلى حالة غياب القانون التي تفتت الوحدة وتزعزع الاستقرار.

صحيفة المدينة

وفي تجسيد عملي لا يُنسى لهذه الوحدة، لم يكتفِ الدستور النبوي بترسيخ التعايش بين المهاجرين والأنصار فحسب، بل شمل أيضاً قبائل اليهود، حيث نصت «صحيفة المدينة» على أنهم أمَّةٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، مما يمثل أول عقد اجتماعي مدني واسع في تاريخ الإسلام يضم مكونات دينية مختلفة تحت مظلة دولة واحدة، ويفرض على الجميع (مسلمين وغير مسلمين) واجب الدفاع المشترك عن المدينة.
هذه الواقعة التاريخية العظيمة كانت تأسيساً لدولة مواطنة تفوق فيها الانتماء للجماعة السياسية الجامعة كل العصبيات القبلية والدينية الضيقة. إن هذا الانقسام المُؤسَّس يتعارض بشكل أساسي مع الدعوات القرآنية والسنّة النبوية للوحدة. فالتحذيرات الخالدة التي تنقلها سورة يوسف، عبر وصية يعقوب لأبنائه بالتوحّد {يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ}، ترسّخ ضرورة حفظ الجماعة.
وبالمثل، أرسى النبي محمد صلى االله عليه وسلم التماسك عبر أفعال حاسمة مثل المؤاخاة ودستور المدينة الذي ألزم كل المكونات بالعمل ككيان سياسي واحد، مؤكداً أن الهوية المدنية المشتركة تسمو على الانتماءات الضيقة. ويشدد القرآن على ذلك بقوله: {وَاعتَصِمُواْ بِحَبلِ اللَّهِ جَمِيعا وَلَا تَفَرَّقُوا}. هذه الآية تقدم رفضاً أخلاقياً مطلقاً لمنهجية فرّق تسدّ. لكن وحدة الجماعة وحدها القادرة على ضمان صون مقاصد الشريعة لجميع المواطنين.
إن استعادة التماسك الوطني تتطلب عودة إلى مفهوم الشعب القائم على مبادئ التكافل والعدالة. ويتطلب تحقيق ذلك تفكيك الحوافز الاقتصادية التي تبقي على الزبائنية الطائفية، ودعم المؤسسات (على رأسها منهج وطني موحّد) يزرع الولاء المدني بدلاً من الطائفي. إن التوقعات النهائية لمستقبل لبنان المستقر والمزدهر تعتمد بالكامل على إدراك غالبية مواطنيه أن واجبهم الأخلاقي المشترك في دعم مقاصد الشريعة هو أقوى وأكثر نفعاً بما لا يقاس من ولائهم المجزّأ لزعامات تستغلّ الانقسام لمصالحها الذاتية.
لذلك، يجب علينا أن ننظر إلى الدولة الأولى التي أُسست في الإسلام، وهي المدينة المنورة، ليس كدولة دينية محضة، بل كنموذج رائد للتماسك الاجتماعي والتعاقد المدني وسط التعددية الطائفية. إن دستور المدينة الذي وضعه النبي محمد يمثل وثيقة تأسيسية لمجتمع قام على الاعتراف المتبادل بين جماعات مختلفة، ملزماً الجميع بالعمل كأمة سياسية واحدة ذات هوية مشتركة، مع الحفاظ على التنوّع.
هذا هو المطلب الجوهري: تبنّي رؤية لـ «المدينة» الحديثة في لبنان، حيث يكون التكافل والعدالة هما حبل الله الذي نعتصم به جميعاً، وحيث يتفوّق العقد الاجتماعي على الانتماءات الضيقة لضمان المصلحة العامة والسيادة الوطنية.

* كاتبة واخصائية في الأخلاقيات وناشطة في مجال حقوق الإنسان