الشيخ أحمد يوسف دندن*
الحمد للّه الذي جعل مواسم الخير والبركة لعباده، حيث يزداد فيها الإيمان وتتطهّر فيها النفوس، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
يُعتبر شهر شعبان من الشهور العظيمة في الإسلام، والذي يأتي مباشرة قبل شهر رمضان المبارك. ومع تسارع وتيرة الحياة في عصرنا الحديث، يبقى شهر شعبان فرصة للتأمّل والتغيير الإيجابي والاستعداد الروحي لاستقبال شهر الصيام والقرآن.
لم يرد ذكر صريح لشهر شعبان في القرآن الكريم، لكنه يأتي ضمن الأشهر القمرية التي أشار إليها الله تعالى في قوله: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ} [التوبة: 36]، أما في السنّة النبوية، فقد وردت أحاديث كثيرة تُبرز فضل هذا الشهر. عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما رأيت النبي # استكمل صيام شهر قط إلّا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياماً منه في شعبان»، كما قال النبي #: «ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم».
وقد أشار الإمام الشافعي رحمه الله تعالى إلى فضل الدعاء في ليلة النصف من شعبان بقوله: «بلغنا أن الدعاء يستجاب في خمس ليالٍ: ليلة الجمعة، والعيدين، وأول رجب، ونصف شعبان»، ويقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: قال في «رياض الصالحين»: «شعبان هو مقدمة رمضان، ولذلك ينبغي أن يكثر فيه العبد من الطاعات استعداداً لما هو أعظم».
أما ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى قال في «لطائف المعارف»: «شهر تُرفع فيه الأعمال إلى الله، فأحبّ النبي # أن يُرفع عمله وهو صائم».
وقد أكد الإمام القرطبي رحمه الله تعالى على أهمية شهر شعبان كفرصة لمحاسبة النفس والاستعداد لرمضان. وكذلك أوضح القاضي عياض رحمه الله تعالى أن شهر شعبان هو فرصة لقضاء ما فات من رمضان الماضي لمن عليه صيام.
ومن هنا علينا أن نرى بعض الجوانب بقدوم شهر شعبان المعظّم، ففي ظل الانشغالات اليومية والتحديات التقنية، يُعدّ شهر شعبان فرصة للتوقف وإعادة الاتصال بالقيم الروحية. إنه فرصة لتدريب النفس على الصيام والقيام والذكر، مما يهيّئ القلوب لاستقبال رمضان بصفاء ونقاء.
فهو يُذكّرنا بأهمية مراقبة أعمالنا القلبية والروحية، وكما نُقيّم أدائنا الوظيفي والمادي، فإن شعبان يُقدم لنا فرصة لتقييم علاقتنا مع الله وتجديد العهد معه بالتوبة والإحسان، كما يُعدّ الصيام في شعبان تدريباً على الصبر والتحمّل والابتعاد عن الشهوات. يُمكن لشهر شعبان أن يكون منطلقاً لحملات التكافل والإحسان، حيث نستعدّ فيه لشهر رمضان الذي يُعتبر موسماً للعطاء والخير، كما يُذكّرنا شعبان بضرورة التركيز على الطاعات والابتعاد عن اللهو الزائد.
شهر شعبان المعظّم هو فرصة عظيمة في العصر الحديث لا تعوّض، يجب على المسلمين استغلاله في الطاعات والاستعداد لشهر رمضان المبارك.
فلنجعل من هذا الشهر محطة للتغيير الإيجابي وتجديد النوايا، ولنعمل على تحقيق التوازن بين حياتنا الروحية والدنيوية. نسأل الله أن يُبلغنا رمضان بقلوب نقيّة وأعمال صالحة، وأن يُعيننا على الصيام والقيام وصالح الأعمال.
* مدير مؤسسات محمد خالد الاجتماعية