بيروت - لبنان

اخر الأخبار

5 كانون الأول 2025 12:00ص قداسة البابا لاوُن الرابع عشر فاعليّة و«حجٌّ» إلى لبنان السلام

حجم الخط
الدكتورة الأميرة مُنى رسلان*

تتمظهر أهمية زيارة البابا لكل لبنان، وليس لمجتمع بذاته. فالحبر الأعظم البابا يوحنَّا بولس الثاني، كان أطلق مقولته الشهيرة عن لبنان «وطن الرسالة» إبَّان زيارته التاريخيَّة في أيَّار/ مايو من العام 1997، كما وردت في متن الإرشاد الرسولي، وقال: «رجاء جديد من أجل لبنان»، مُتابعاً: «إنَّ لبنان أكثر من وطن، هو رسالة حريَّة وعيش مُشترك للشرق والغرب». وحينما وقَّع على مُقرَّرات السينودس في بازيليك سيِّدة حاريصا بحضور الشبيبة، قال: «الكنيسة الجامعة تُعطيكم هذه الوديعة لكي تُحافظوا على لبنان».
وتأتي الزّيارة الرّسوليّة الأولى التي قام بها البابا «لاون الرابع عشر» إلى لبنان، ووطننا والمنطقة بأسرها على أتون من تغيُّرات مفصليَّة في حياتها سياسيَّاً وجغرافيَّاً ومُقدرات وطنيَّة وتمايزاً مُبهراً وخلاقاً بين الفئات المجتمعية. وزيارة البابا «لاون الرابع عشر» تُشي بعمق العلاقة الجوهريَّة والتلازم ما بين الفاتيكان ولبنان، ودور لبنان الرسالة وطناً للحريَّة والعدل والطمأنينة بين الأديان، والمُتمايز بإرثه الروحي والتُراثي والثقافي والمعرفي وفي عاداته وتقاليده المُجتمعيَّة التشاركيَّة. لبنان لطالما كان مركز ثقل بتعدُّديته الفريدة وينماز بأهميَّته كونه إرثاً أزلياً للإنسانيَّة جمعاء، ومُلتقى حضاري للثقافات كما الأديان والمُشرك الإنساني بين الشعوب. لبنان وطن محوري في محيطه، حواري في ثقافاته وأديانه، رسالة حضور العيش والتآخي والمُصالحة، والسلام.
من مُنطلقي الشخصي، أرى أنَّ زيارة البابا «لاون الرابع عشر»، تحمل عنوانين أساسيين، هما: دافعية الرحمة والرجاء. ومن هُنا يبدأ التغيير الإيجابي نحو السلام على أرضنا الحبيبة.
فالرحمة لأنَّ لبنان قد أصابته عاتيات الحروب والتهجير، والألم والحزن يسوِّر الكثير من فئات المُجتمع، والناس تبغي الطمأنينة والصيرورة في أوطانها. 
والرجاء، فعلٌ حضاري وروحي معاً. فالرجاء الروحي ينبثق من عميق الليتورجيا المسيحيَّة، أنَّ لله يحمي ويُخلِّص الإنسان من مصائبه؛ والقرآن الكريم ينماز بفاعليَّة الرحمة كذلك الأمر. منْ هُنَا، يُعدُّ جَمَالُ الْإِنْسَان بِسموِّ ورِفعة أَخْلَاقِهِ. وانطلاقاً مِمَّا تقدَّم، يَسْتَرْشِدُ المُتمعِّنُ فِي النّصِّ الْقُرْآنِيّ مِن صِفات اللَّه الرَّحْمَة، {الرَّحمن الرحيم}؛ ويُستدلُّ عَلَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، الْآيَة 105، قَوْله تَعَالَى: {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ}.
وَلُبْنَان والأمُّة العربيَّة تتراحم بِالْبَرَكَة والتآزر وَالتَّعَاوُن، رَغِم الْأَوْضَاع الاقتصادية غَيْر الْمَسْبُوقَة الَّتي يختبرها وطننا الْحَبِيب لبنان، والَّتي تُرخي بثقلها عَلَى جَمِيعِ فئات المُجتمع، وَتُطَال القطاعات الإنْتَاجِيَّة اقتصاديًّا ومعرفيّاً وثقافيّاً وتربويّاً وأكاديميَّاً، وطبيّاً، وغذائيّاً، وفنيّاً وثقافيّاً وحِرفيَّاً، وتكنولوجيّاً. كلُّ هَذَا مَعَ تَعَاظَم الْمآسِي عَلَى الْمُسْتَوَى العالميّ مِن حروبٍ وَتَهْجِيرٌ وعُنف وتطرُّف، نَاهِيك عَن تَغْيِيب عُنْصُرٌ «التراحم» بَيْن النَّاس.
والدين دِينِ التراحم وَالتّعَاطُف والإنسانيَّة، كَوْنِ الإِسْلاَمِ ديناً يُراعي أَحْوَالِ النَّاسِ وحوائجهم فِي الدَّنيا وَالْآخِرَة، وَيَدْعُو إلَى التَّعَاوُنِ وَالتّعَاطُف والتلاحم بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعات كافَّة، لِمَا يُحقِّق خَيْرَهَا وَيَظْهَر وُجُودِهَا الْفَاعِل. ويُطالع المتمعِّن فِي النصِّ الْقُرْآنِيّ وبألفاظهِ وكلماتهِ وَمَعَانِيه، تركيزه عَلَى إظْهَارِ الخُلق مِن مَنْظُورٌ مُتجدِّد دوماً ، مُضيئاً عَلَى قِيَمِ الْأَخْلَاق وَالتَّسَامُح بِوَجْه عَام، وَقِيَم الرَّحْمَة وَالرَّأْفَة وَالتَّوَاصُل بَيْنَ الأفْرَادِ عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ، وَمَا تُشكِّلهُ بِاجْتِمَاعِهَا مِن قيمٍ إنسانيَّةٍ ودينيَّةٍ جَامِعَةٍ، سَيَكُون لَهَا بَالِغ الْأَثَرِ فِي بِنَاءِ أَجْيَالِ الْأُمَّة العربيَّةِ والإسلاميَّة، فِي عَصْرٍ تجتاحه مَوَاقِع التَّوَاصُل الاجْتِمَاعِيّ، وَتِلْك الْمَوَاقِع بمُنظماتها الًتي تَقُوم بتشتيت ذِهْن الْإِنْسَان وتغريبه عَنْ ذَاتِهِ وكينونته وَعَن مُحِيطَةِ، هَذَا مِنْ جِهَةٍ، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى قِيَامِهَا بتعريةِ المُجتمعاتِ المعولمة وَتِلْك الريفيَّة أيضاً، مِنْ إيجَادِ أَي فاعليَّة مُجدية فِي صَيْرُورَةِ حَيَاتِهَا المستقبليَّة، وافساحاً فِي الْمَجَالِ أَمَامَهَا للتفكّر بفاعليَّتها الوجوديَّة والحضاريَّة والثقافيَّة والدينيَّة والتاريخيَّة والإنسانيَّة ، إلَى فاعليَّتها فِي الِاقْتِصَادِ أَوْ التَّنْمِيَة أَو التحفيز أَو الِابْتِكَار والتطوُّرٍ والانتاجيَّة، أَو حتَّى فِي مَجَالِ مَحْو الأُميَّة...
ولبنان قيمي في هذا الشرق، ويحتاج أن تنظر إليه الأُمم بعين رجاء العطف والسلام.
وقد جاءت مُشاركتي في اللقاء المسكوني مع رؤساء الطوائف والمذاهب والمنتديات واللقاءات الحوارية ما بين الإسلام والمسيحيّة مع قداسة البابا الذي عقده في ساحة الشهداء، وسط العاصمة بيروت، اللقاء التاريخي والروحي والوطني والعالمي، حمل كل دافعية رجاء لخلاص لبنان.
فمنذ يفاعتي وأنا مُشاركةٌ فاعلة في حوار الأديان، لإيماني العميق بالاعتدال والحوار الموضوعي والمثمر والتفاعل والتعاون بين المجتمعات والأطياف كافة؛ وقد درَّستُ في الجامعة اللبنانيَّة مادة الحضارة المقارنة وكانت الأديان السماويَّة موضع محاضرات شيِّقة وقيِّمة لدى طُلاَّبي، لتمايز الأديان والتقائها على التوحيد بلله عزَّ وجلّ، كما على المحبَّة والعدالة وصون التنوّع الإنساني والعدل في الأرض والأوطان. فالمُشترك الإنسانيِّ والرحمة ما بين الأديان قيميّ وحضاريّ وثقافيِّ ودينيِّ وفلسفي وتربوي واقتصاديِّ وحضور عيش، ضامناً لاستمراريَّة الخير للبشريَّة جمعاء.
وفي السياق نفسه تجيء مشاركاتي في اللقاءات حول الحوار بين الأديان، في «اتِّحاد الكُتَّاب اللُبنانيين» وكان زمنذاك رئيسه الدكتور وجيه فانوس؛ وفي «ندوة العمل الوطني - مرصد المواطنة»، وفي «المركز الثقافي الإسلامي»، و«الصرح البطريركي»، «وفي زيارة البطرك الراعي « إلى الشوف ؛ وفي «دار طائفة المسلمين الموحِّدين - الدروز»؛ وفي «اللقاء التشاوري لحوار الأديان»، و«شبكة الأمان للسِلم الأهلي»، وفي «اليونسكو» ضمن حلقة «حل النزاعات» للمدارس المُشاركة في اللقاء.
كما حضرتُ فعالية مرور 60 عاماً على وثيقة في عصرنا NOSTRA AETATE، السبت 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 في الصرح البطريركي في بكركي، بصفتي عضو والأمينة العاَّمة في «مُنتدى التفكير الوطني - بكركي»؛ وكُنتُ من المُتحدِّثين، بفعالية وثيقة «في عصرنا» NOSTRA AETATE، السبت 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 في الصرح البطريركي في بكركي. وتحدَّثتُ في المحور الثاني، المعنون: الإطار والمسار التاريخي للوثيقة؛ من ثمار نوسترا ايتاتي: وثيقة الأخوَّة الإنسانيَّة، وحملت كلمتي عنوان: «وثيقة الأُخوَّة الإنسانيَّة» ذاتُ العيش والحضور الإنسانيين.
أُوردُ في مطلعها: «خرجت «وثيقة الأخوَّة الإنسانيَّة» من غار حرَّاء، وجبل الزيتون، إلى أصقاع المعمورة، لمُّ شمل ذات الإنسان في الإنسان، كي تسمو فوق الذَّاتي، الشخصي والأناني، صلاةً جماعيَّة وترنيمة إنسان يُلاقي الإنسان مع المحافظة على تمايز الخصوصيَّة، ويتبنَّى قيمة التكافل والتضامن الاجتماعيين وتميُّزهما.
«فإنِّي فقيرٌ فقيرٌ إليكَ، وإنِّي غنيٌّ غنيٌّ بك» (ترنيمة)
«اللَّهمَّ إنَّك عَفُوٌ تُحبّ العَفو، فاعفُ عنِّي» «من دعاء النبي» (#)».
ونحن نعمل يوميَّاً من أجل التلاقي والمُثاقفة والسلام والمحبَّة والانفتاح. نحن دُعاة للوحدة في ظل الدستور اللبناني، والقيم المُجتمعيَّة والثقافيَّة والتُراثيَّة والدينيَّة الجامعة. فعلى هذا المبدأ أسَّستني أُسرتي، والدي ووالدتي، بإيمانٍ راسخٍ ووجدانٍ مفعمٍ بالامتنانِ والصدقِ والأمانة وهكذا سأبقى إلى الأبد. فالانسان عندي هو في موطن القلب وفي العالم هو ذاتي الإنسانيَّة، ومُجتمعي ينفتح على كُل الأطياف والمذاهب، ويتعايش مع الجميع في كل لبنان، وفي كل المُجتمعات شرقاً وغرباً. رسالتي حواريَّة وتثاقفيَّة وإنسانيَّة.
إنَّ نظرتنا مُتفائلة في وطني الغائر في تراب الكون إرثاً أُممياً منذ 6000 سنة. وكلِّي رجاء بذاتي الإنسانيَّة التي تقف في وجه الطغيان وآلة الحروب والتهشيم والقتل، والشهادة للحق والإنسان.
نثمِّن دوماً دور الدول الداعية إلى السلام في الأوطان. لبنان ذات الإشعاع الوهَّاج ملكوم في صميمه، وإرادتنا للعيش والنماء والتحفيز وتبادٌل الخُبرات والتنمية والتطوَّر والسلام، ولعيش كريم في وطننا ومع أهلنا وجيراننا ومحيطنا العربي العظيم، غاية المٌنى.
أمَّا في ما يخص العدو، فهو لا يعترف بحدود الدول، ولا بالمواثيق الدوليَّة ولا بالقانون الدولي ولا حتَّى حقوق الإنسان؛ دمَّر مرفأ بيروت، واجتاح لبنان مرات ومرات ودمَّر بنيته التحتية ونسف الكنائس والجوامع بإرهابه، ودمَّر اقتصادنا وتجارتنا، وسجِّى قانا، وألبسنا ثوب الحداد، كما وشجَّ جبالنا ونهب مواردنا النفطيَّة، قتل النساء والشيوخ والأطفال والعجائز، واقتحم بيوتنا ومسح قُرانا الجنوبية ومزَّق حدودنا. يتعامل بهمجيَّة مقيتة، وباللاضمير في غزَّة وسوريا وفلسطين والعراق، ويُهدِّد الأردن ومصر، ويترصَّد بعالمنا العربي، ويخرِّب إفريقيا ويفتعل حروباً دينية وحروب ميليشيات. ويكتُب سرديَّاته التاريخيَّة المُزوِّرة عن لبنان، يوهم ناسه بشراء بيوتنا وأراضٍ لنا، ويقتلع أشجارنا ويحصد بجرَّافاته مواسمنا الزراعية، ويدفن في تُرابنا ألواحاً مكتوبة بلغته وإشاراته الترميزيَّة، ليُطالبنا بها تاريخاً له. هذا العدو، ليس عدواً للبنان ولفلسطين فحسب، بل عدو للشرق والغرب، عدو كل حضارة مشرقيَّة، عدو للإنسانيَّة بأسرها. بسبب هذا الكيان القاتل والمغتصب للحقوق، يعيش لبنان وبلدان المحيط ظروفاً صعبة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، يعيث فساداً بالفوضى ويستثمر إفساداً في الأرض.
كيان هجين، عدو مزروع، فتنوي، غاصب للأرض وللإرادة الحرَّة للشعوب في تقرير مصيرها، ومدعوم من الغرب بآلته الحربيَّة القاتلة والغريزيَّة. كما أنَّه يبغض أي التنوُّع والتمايز والتآخي، ويُسيِّج الشعوب وحريَّتها في أوطانها، ولا يعترف اطلاقاً بتنوُّعنا الثقافي والمعرفيَّ والمجتمعي والديني والإثني والعرقي.
هل فَعَّل هذا الكيان، أُطر السلام، أو اعترف بحقوق الإنسان؟؟!!
نحن يومياً في لبنان نتعرَّض لعدوانه، فهل توقَّف؟؟ ومتى سيتوقَّف هذا الاستنزاف؟؟!!
فماذا تنتظر منه؟؟؟!!
يسكن البابا لبنان ويحمل في قلبه هذا الشرق الحضاري والتاريخي ذات الإرث الإنسانيّ، في رسالة لمحبَّة أخويَّة جليلة؛ رسالة حداثويَّة للسلام في لبنان ومشرقنا العربي.

* أستاذة النقد الأدبي الحديث والأدب المقارن، أدب ما بعد الحداثة، والمنهجية، في كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة - الجامعة اللبنانية