بيروت - لبنان

اخر الأخبار

28 تشرين الأول 2025 12:00ص كخطوة مطلوبة في طريق (صناعة العلماء)..؟! اعتماد الاختبارات النفسية لدارسي الشريعة ضمان لمستقبل الساحة الدعوية

حجم الخط
تعلّمنا منذ نعومة أظفارنا أن المجتمع يقوم بعلمائه الذين يسعون إلى نهضته العلمية والفكرية والاجتماعية، وتعلّمنا أيضا أن هؤلاء العلماء يتفرغون منذ حداثة سنّهم لطلب العلم ليتفاعل - بعد سنوات - محصولهم العلمي المتراكم مع قضايا المجتمع فيصبحون قادة قادرين على تحقيق النهضة المطلوبة في كل المجالات.
وهذا الكلام يعني بالضرورة أن هؤلاء العلماء لا بد لهم قبل السير في طريق العلم، من أرض خصبة تزرع في نفوسهم بذور العلم الصحيح والفكر السليم، حتى نستطيع وإياهم أن نحصد الثمار البنّاءة في الوقت المطلوب.
وما سبق يؤكد - بما لا يدع مجالا للشك - أن العلماء في المجتمعات يُصنعون ولا يظهرون صدفة..!؟
وإذا كانت (صناعة العلماء) حرفة راقية اشتهر بها تاريخنا الإسلامي، فإن الواقع (اللبناني) يشهد أيضا أنها المفقود الأول في بلادنا، ولذلك واجب علينا أن نسعى بكل جهد (مخلص) لإعادتها وإلّا فمستقبل مجتمعنا وأولادنا أشدّ سوادا من ظلام الليل..؟!

إعادة تقييم مناهج كليات الشريعة

وأول مطلوب، هو إعادة تقييم للمناهج العلمية المعتمدة في الكليات الشرعية المنتشرة في بلادنا، لتكون مواكبة لتغيّرات الحياة ومستجدات العصر الذي نعيش فيه مع الحفاظ على الأصول والثوابت، إذ من غير المقبول أن تبقى هذه المناهج من حيث المواد والأسلوب وطرق التدريس كما هي، مناهج قائمة على الحشو وعلى التقليد وعلى التبعية العمياء وعلى (الديكتاتورية الفكرية) التي لا تراعي مواهب الطلاب ولا اختلاف قدراتهم ولا توسّع مداركهم.
ولا يعني كلامنا أن نعبث بالمناهج، ولكن أن نرتقي بها، وأن ندخل عليها ما ينمّي القدرات والملكات، ويفعّل المواهب، ويكرّس أسس التفكير السليم عند الدارسين، ويثبت حسن التفاعل الصحيح مع ما يتلقّونه من علوم، وهذا بالطبع لا يكون إلّا على أيدي المهرة من المتخصصين في مختلف العلوم.
فمن من هذه الكليات أدخلت إلى مناهجها - على سبيل المثال - مادة الذكاء الصناعي وسبل الاستفادة منها في مجالات الدعوة..؟!
من منها أقرّ - وأيضا على سبيل المثال - مادة التغيّرات في التعاملات الاقتصادية وأحكامها في الشريعة الإسلامية..!؟
ومِن تلك الكليات – وللمرة الثالثة على سبيل المثال - يدرس الطلاب فن الخطابة بما تتطلبه من معطيات حديثة كموهبة وممارسة وتدريب وتقييم، لا كنظريات جافة..!؟
بل ومن منها أدخل علوم النفس كمادة أساسية... أو أقرّت مادة (أساسيات بناء الشخصية الإيمانية).. أو أقامت دورة مثلا بعنوان (الأناقة الراقية في هندام الداعية)..؟!

ضرورة (اختيارنا) للطلاب.. لا (اختيارهم) هم

المطلوب الثاني هو أن يكون العدد الأكبر من الدارسين لعلوم الفقه والشريعة مختارين من قبل لجنة علمية ونفسية، وظيفتها أن تبحث في المدارس والثانويات والجامعات على الطلاب المتفوّقين والنابهين الذين يتمتعون بالصفات الفكرية والعقلية التي تمكّنهم من تلقّي هذه العلوم الشريفة وحسن التعامل مع تفاصيلها ثم تحقيق التفاعل السليم معها، إذ من غير المقبول أن تصبح كليات الشريعة مستقرّا لعدد كبير من الذين يرون في الدين وعلومه مسرحا (للدروشة) الفكرية والعقلية والعملية.. أو من الذين تشوّهت أسس الاختيار العلمي عندهم، فلما عجزوا عن تحقيق مرادهم .. اختاروا الدخول إلى كليات الشريعة..!؟
فطالب العلم الشرعي (الذي نريده عالما في المستقبل) لا بد يكون من أصحاب المواهب الصادقة، ومن رواد العلم المرموقين، ومن المتخصصين البارزين، الذين إذا ما تصدّى أحدهم لأمور المجتمع وقضاياه مستقبلا شكّل بفكره وعلمه وخطابه علامة حضارية فارقة، تضيف تميّزاً لمجال الدعوة في لبنان، لا أن يكون عبئا عليها وعالة على الساحة الدعوية..!؟
وهنا نطالب - وربما للمرة المائة - بضرورة اعتماد الاختبارات النفسية لكل من يتقدم لدراسة العلوم الشرعية في الكليات المتخصصة، وذلك في سبيل حسن تقييم صفات هذه الشخصية، واستكشاف القدرات المعرفية لديها، والاطّلاع على الصحة النفسية والفكرية عندها، وكذلك لمحاولة استقراء تعاملها مع المواقف الصعبة والتحدّيات إذا ما تسلّمت زمام المسؤولية في المستقبل.
بل وأقول صراحة أنه لا بد كذلك من دراسة الحالة الاجتماعية والنشأة التربوية للطالب الذي يريد الانتماء إلى كليات الشريعة ثم العمل في الساحة الدعوية مستقبلا، وهل من انعكاسات سلبية لفكره أو لمفاهيمه أو لشخصيته على أسلوب التعامل مع قضايا الناس وأمورهم مستقبلا.
هل مثلا ستفتنه المغريات -استجابة لنقص نفسي أو اجتماعي - إذا ما عيّن في مركز مرموق؟!
هل سيكون عاجزا عن مواجهة باطل ما نتيجة لضعف متجذّر في الشخصية منذ الطفولة..؟!
وهل.. وهل.. وهل..؟ كلها أسئلة لا بد أن تطرح عند دراسة ملف الطالب في هذه الكليات..
ولا يعتبر أحد هذا الأمر تعدّيا على الطلاب أو حرمان لحق من حقوقهم، بل هو تنظيم مطلوب لضمان مستقبل الساحة الدعوية، والكثير الكثير من الكليات في مجالات مختلفة ترفض طلابا وتمنع آخرين والسبب... عدم استيفاء الشروط، أو رسوبهم في المقابلات الشخصية، فهل هذا حلال لها وحرام على كليات الشرعية..!؟
وإن قال آخر أن حرمان مسلم من دراسة الشريعة لا يجوز، فنقول له نعم كلامك صحيح، فلنؤسس إذن قسما خاصا لأمثاله يدرسون فيه ما يريدون تحت مسمّى (دراسات حرّة)، ولكن يبقى القسم المخصص في الكليات الشريعة لتخريج العلماء العاملين الذي سيلعبون دورا قياديا في مستقبل المجتمع، يبقى قسما لا يدخله إلّا من اجتاز الاختبارات المطلوبة في مختلف المجالات..!؟

حسن استقراء المواهب

أما المطلوب الثالث – بل المفقود الثالث إن صح التعبير - فهو حسن استقراء المواهب عند هؤلاء الطلاب، بحيث نسعى لتنميتها وحسن تربيتها وسلامة نشأتها، ليكون صاحبها قادرا في المستقبل على العمل بصحيح ثمارها، فلا يغفل عن قيمتها وجميل أثرها فيفقد تميّزه، ولا يسيء إليها فيوظّفها بعكس المطلوب منها طلبا لكسب شخصي، أو استجابة لعوج نفسي، أو (بيعاً) لجهة ما تسعى لاستغلاله..؟!
والمقصود بحسن استقراء الموهبة هو أن يدرك القائمون على الأمر أن لكل إنسان ملكة تميّزه عن غيره، وعلينا أن نحسن الاستثمار فيه من خلال مجالات وأبعاد موهبته، فلا نكلّفه ما يتعارض مع موهبته، ولا نحمّله ما لا يتناسب معها، ولا نرمي بأثقال تقتلها...
فمن كانت موهبته في الخطابة سعينا لتنميتها، ولا نجعله في وظيفة إدارية..؟!
ومن كانت ملكته في التدريس العلمي، لا نجبره على العمل في مجال الأرشيف..!؟
ومن تميّز في مخاطبة الشباب وحسن التأثير عليهم لا (ننفيه) في عمل مكتبي محصور بين الجدران..؟!
وكذلك من كان تفوّقه في الأبحاث والدراسات العلمية لا (نسيء) إليه ونصدّره لمخاطبة الناس، فيخسر موهبته.. وينفر الناس منه..!؟
وهذا كله طبعا لن يكون إلّا بعد تحقيق المطلوبين السابقين، إعادة تقييم للمناهج العلمية المعتمدة في الكليات الشرعية، وأن يكون العدد الأكبر من الدارسين لعلوم الفقه والشريعة مختارين من قبل لجنة علمية ونفسية، وهذه المطالب إنما هي بعض من كثير أهملناه..؟!

صناعة المستقبل

إن الآثار التي ستكتب علينا بعد رحيلنا هي في الحقيقة تاريخ يسجل كل تفصيلة من تفاصيل نتاجنا الذي قدّمنا في هذه الحياة الدنيا من إسهامات على كل الأصعدة، فإما أن يكون نتاجا حضاريا راقيا يترجم إيماننا بـ(لا إله إلّا االله محمد رسول االله)، وإما فهو من الزبد الذي يذهب جفاء..؟!
إنني أيها السادة أنظر يمينا وشمالا، وأتأمّل فيما نقدّمه في حاضرنا ليكون تاريخ المستقبل، فلا أرى إلى الفساد والخبث والمشاكل والمعارك والحروب والعصبية والمذهبية والتخلّف الفكري والعلمي والعملي، وفوق هذا كله التراجع المعيب والمخزي في مجالات الدعوة وساحاتها، فأي تاريخ هذا الذي نعمل على كتابته..؟!
ولذا أقولها بالفم الملآن، نحن نعيش في زمن نحتاج فيه إلى «نفضة» قوية تزيل كميات الأتربة المتراكمة منذ سنوات فوق رؤوسنا حتى حجبت النور عن سمائنا، ونحتاج أيضا إلى إعادة تشكيل نظرتنا لمعنى الحياة ولدورنا المطلوب فيها، وأننا لسنا مجرد كائنات تأكل وتشرب وتستمتع ثم تنقل ما وردنا من السلف دون أدنى تفاعل صحيح مع الواقع، وإنما نحن بشر كرّمنا االله تعالى وفضّلنا على سائر المخلوقات حتى نعمل ونبدع ونصلح ونجاهد في سبيل رفعة المجتمع وعمارة الأرض، فنقدّم للمستقبل تاريخا مشرّفا يفخر به الأبناء والأحفاد..

Bahaasalam@yahoo.com