لا يُكلّف الله نفساً إلّا وُسْعَهَا
يقول الحق تبارك وتعالى في القرآن الكريم : {لَا يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}، وهذه الآية الكريمة فيها من الحكم ما يحتّم علينا الوقوف معها وتدبّر معانيها وأبعادها والهدف أن نعمل بها وبهديها.
فالله عزّ وجلّ يخبرنا بحقيقة كونية وهي أن الخالق سبحانه وهو الرحمن الرحيم لم يكلّف الإنسان إلّا ما يستطيع القيام به، ليرسم لنا معالم التعامل الحضاري بين جميع المخلوقات في هذه الدنيا.
ومن حكم هذه الآية أنها تمثل خطابا إنسانيا عاما.. موجّها لكل مسؤول أيا كانت مسؤوليته.. لتقولَ له: إتق الله فيما هم تحت يديك.. ولا تكلّفهم بما لا يستطيعون...
يا كل رب العمل... لا تكلّف العمال إلّا وسعهم..
يا كل زوج... لا تطلب من زوجتك إلّا وسعها..
أيها الأهل.. أيها الأبناء... أيها المدير... أيها المدرّس... أيها الحاكم... يا كل من كان مسؤولا.. إياك أن تحمّل غيرَك ما هو فوق طاقته...
وبالتالي على كل مسلم حين يقرأ هذه الآية المباركة.. أن يجعلها قيمة أخلاقية وسلوكية في كل تعاملاته مع الغير، وليس فقط أن ينزلها على نفسه لتكون أشبه بالمصلحة الخاصة.
بل إننا إن تدبّرنا هذه الآية {لَا يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، نجد ان «وسعها» هنا جاءت على الإطلاق، أي أن الله تعالى لا يكلّف الإنسان فوق طاقته في كل الأمور، ومن هذه الأمور أمور المشاعر الإنسانية...
فالله تعالى يأمرك بالإحسان، ويأمرك بالعطاء، ويأمرك بالصدقة، وبمساعدة المحتاج، وبمسامحة من أساء إليك، ويأمرك بالحفاظ على الودّ مع الناس، ولكن أيضا ضمن قدراتك واستطاعتك.
فإياك أن تحمّل النفس في مشاعرها مع الناس فوق طاقتها.
بعض الأشخاص وبحسن نيّة يعملون ليل نهار حتى تكون الناس راضية عنهم، فتكون النتيجة المواجهة بالأذى والحقد والسوء والنميمة والغيبة، فيسعى بكل جهده لإرضاء فلان وعلان، ومع ذلك لا يحقق مراده، وهنا نقول له: لا يُكلّف الله نفساً إلّا وُسْعَهَا... فإن رضا الناس غاية لا تدرك..!
بعض الناس حين تحمّل نفسك فوق طاقتها وتقدم لهم يد المساعدة يعتقدون أن هذه المساعدة أصبحت حقا لهم، وبعضهم حين تؤمّن لهم خدمة معينة ثم تعجز عن تأمينها بعد فترة يتعاملون معك وكأنك سلبتَهم حقا يملكونه..!
وليس المقصود هنا طبعا أن نسيئ التعامل مع الناس أو أن نكون مصدر شر والعياذ بالله، ولكن المطلوب ألا يكون الإفراط في المشاعر موجوداً في حياتنا، وأن ندرك حقيقة القدرات النفسية والشعورية بداخلنا وأن نتصرف مع كل الخلق بناء عليها..
لذلك عاملوا الله من خلال خلقه، ولا تنتظر الإحسان من الناس، وفي الوقت نفسه لا تحمّل نفسك قلبا وقالبا فوق طاقتك، فرب العالمين سبحانه وتعالى وهو اللطيف الخبير لم يكلّف نفسا إلّا وسعها، فلا تعارض هذه الحقيقة الإيمانية وإلّا ستكون أنت أول المتضررين منها..!





