بيروت - لبنان

اخر الأخبار

22 تشرين الثاني 2025 12:00ص مأساة أن تكون «شيخاً» في لبنان..؟!

حجم الخط
اسمحوا لي أيها السادة الكرام.. أن أقول لكم بداية إني أتحدث إليكم في هذا المقال بأريحية تامة، لأعبّر عن معاناة ربما لا يعلم خفاياها الكثير من الناس، وهي «معاناة» قد يستغرب البعض أنها «معاناة»؟!
ولكن الحقيقة التي لا بد أن نعترف بها، هي أن الإنسان في بلادنا حين يكون «شيخا» فهو سيعيش في مأساة كبيرة، ليس لأنه «شيخ»... ولكن لأنه «شيخ في لبنان»، أي في بلد لا يعرف - ولا يعترف - إلّا بالطائفية والمذهبية والمناطقية والعشائرية والزبائنية والمحسوبية والتمييز العنصري، وبالتالي هو ممنوع من الاستقلالية العقلية، وممنوع من الإبداع العلمي وممنوع من العطاء الإيجابي وممنوع من التفكير بأي جديد مفيد، وممنوع من الإتيان بأي مستحدث نافع، لأن المطلوب الأول منه أن يكون تابعاً بالمعني السلبي، وكل أعماله يجب أن تنبع من رضى ومباركة هذه التبعية..؟! سواء كانت تبعية لجماعة أو جمعية أو رابطة أو جهة أو ما شابه من تلك المسمّيات السائدة في بلادنا..؟!
فعلى الصعيد العام مثلا.. مأساة أن تكون «شيخا في لبنان» تعني أنك مطالب بأن تراعي في كلامك وعملك كل شيء، ولو كانت «مراعاة..؟!» على حساب الحق والحقيقة..؟!
وتعني أنك مطالب باستحداث مئات «المحاذير» في «قاموسك الفكري» حتى لا يشكّل كلامك أو عملك استفزازاً لجهة تريد الظلم البيّن «لمصلحة ما» عدلاً، وستحاسبك إن وصفته بالظلم..!؟
وتعني أيضا - كنتيجة حتمية لما سبق - إنك كـ«شيخ في لبنان» إن لم تكن «تابعاً مخلصا» فأنت «مكشوف الظهر» لا سند لك ولا واسطة، وبالتالي إما أن تسكت.. وإما أن تكون من زمرة الأزلام.. وإما أن تبقى في مأساتك تعاني..؟!

على الصعيد الخاص

أما على الصعيد الخاص وهنا الكارثة الكبرى، فالشيخ في لبنان، متهمٌ دوماً بدعاوى «دسمة» جاهزة ومعلّبة، وللأسف معترف بها «لبنانيا».
فأنت كـ«شيخ في لبنان».. ممنوع من العمل في مؤسسات كثيرة – عامة أو خاصة – فقط لأنك شيخ..!؟، نعم أنت كـ«شيخ في لبنان» ممنوع من التوظيف في مجالات متعددة والحجج كثيرة، فمرة يقولون لك (لا نريد أن نُطبع بطابع ديني)، ومرة (مؤسستنا متنوعة في الانتماء الديني ولا نريد أن يشكّل عملك استفزازا لأحد)، ومرة وهي الأسوأ (عملنا متطور جدا ولن تستطيع أن تواكبنا بفكرك «التقليدي») وطبعا هم لا يقصدون معنى كلمة «تقليدي» ولكنهم «يزوِّرون» الكلمة فقط مراعاة لمشاعرك..؟!، علماً أنهم لم يسألوا عن كفاءتك ولا عن علمك ولا عن قدراتك ولا عن شهاداتك ولا عن خبراتك، ولكن ما إن عرفوا أنك «شيخ في لبنان»، فأنت مرفوض ومستبعد.. وأيضاً متهم..؟!
وهنا قد يستنكر البعض ويسأل، ولمَ يلجأ «الشيخ» إلى تلك المؤسسات للعمل بها، ولمَ لا يعمل في مؤسسات (تابعة..؟!)، فنقول وبكل وضوح لأن هذا أولا خلاف طبيعة المجتمعات السليمة حيث يحقّ لكل مواطن أن يتقدم إلى الوظيفة التي يراها مناسبة له والتي يرى فيها تقدّما وتطوّرا طبيعيا ومباحا لمسيرته المهنية والحياتية، وثانيا لأن المؤسسات «التابعة» لا تقبل إلّا «التابعين»، والمؤسسات «غير التابعة» تريد أن تعرف مسبقا «لمن يتبع هذا الشيخ» حتى يكون تصرفها معه (سلبا أو إيجابا) خدمة «للمتبوع».. وهكذا كقصة إبريق الزيت..؟!
ولكن قمة «الكوميديا السوداء» في بلادنا هي أن هذا «الشيخ» الذي رُفض مراراً وتكراراً لأنه شيخ، إذا ما قرر يوما ما مخالفة الأصول العلمية والفكرية، وهجر رقيّ الإنسانية وحضارتها، وركّز «جهوده المباركة..؟!» في تغذية «ورم» الطائفية والمذهبية والمناطقية، هذا الشيخ نفسه - نعم نفسه - سيصبح المقبول المكرّم والمعزّز عند تلك المؤسسات عينها التي رفضته سابقاً، سواء كانت مؤسسات جامعية أو تعليمية أو بحثية أو إعلامية أو..؟!

فساد منتشر

ويا ليت «الكارثة» وقفت عند هذا الحد لكانت المصيبة محصورة الأذى، ولكنها للأسف تجاوزت المؤسسات والشركات وميدان الأعمال في مختلف بالمجالات، وتلصّصت بخبث - أظنه مقصودا - حتى وصلت إلى نفوس الناس وفكرهم بجاهلهم ومتعلمهم، وبات الشيخ المتحدث بالحق كقيمة إنسانية، والمطالب بالعدالة كمطلب ديني جامع، والرافض لفحيح الطائفية والمذهبية والمناطقية والعشائرية، والمعارض للفساد وإن كان من أولى القربى، بات متهماً ومرفوضاً ومنبوذاً بل وأحيانا.. عميلاً وخائناً..؟!
إنهم – وألف آه من «هم» - يريدون الشيخ في بلادنا «آلة بشرية» على هيئة محددة وعلى خطاب محدد وعلى مفاهيم محددة، بل وعلى آراء جاهزة وموروثة محددة، وإن رفض أو ناقش أو حتى سعى لإصلاح فساد أي منها، فهو مشكوك في انتمائه ومتهم في إيمانه ومستبعد عن كل الأعمال، وعليه أن يجلس في بيته لأن يضرّ (بالمصلحة العيا)، ولذلك نراهم ينشغلون - ويُشغلون الناس - في توافه الأمور وشكلياتها، وفي «خلافيات» فروع الفروع ونزاعاتها، ويدخلون - والناس معهم - في سخيف المواضيع وتوابعها، بينما هم هاجرون لأصول صناعة الحياة الكريمة ومتطلباتها..!؟
وكارثة الكوارث، أنه مع تعاقب السنوات ومرور الأيام نشأ في لبنان جيل من «المعمّمين» - ولا أقول المشايخ - رسّخوا هذا الانقلاب في نفوسهم وفي نفوس من حولهم من «طلابهم» - ولا أقول طلاب العلم -، حتى بات الأساس عندهم أن كل «شيخ من لبنان» عليه أن يكون هكذا - والأمر نفسه للأسف عند الكثير من المكونات اللبنانية الأخرى -، وبالتالي أصبح الأصل المطلوب استثناءً نادراً، والاستثناء المرفوض أصلاً ثابتاً.. 
والكارثة - الأشد كارثية - أن هذا «الاعوجاج الإبليسي» تطور عند انحراف البعض، حتى اعتبره من أصول الدين فأصبح الولاء والانتماء لهذا الفساد وراعيه، وبات كل من يشكك فيه كافراً.. نعم كافر.. وكيف الخلاص من هذا الفساد لا أدري..؟!
وختاماً، وحتى لا أتهم - فوق التهم - بتهم إضافية، أقول إني حصرت الحديث عن «الشيخ في لبنان» لأنني شيخ من لبنان، وبالتالي أهل مكة أدرى بشعابها، وفي حالتنا هم أدرى «بزواريبها»..!؟ والله المستعان..

bahaasalam@yahoo.com