في عصر ترفع فيه شعار الشفافية راية برّاقة بينما تستثمر الحقيقة أداة للنفوذ، يطلّ سؤال جوهري: هل أصبح الإعلام جزءاً من ماكينة صناعة العدو بدلاً من كشفه؟ وكيف يتقاطع ذلك مع تشكّل الإسلاموفوبيا بوصفها منظومة فكرية تُعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتُدفع بصورة مشوّهة للإسلام تختزله في الإرهاب والعنف؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً فكريًّا، بل مفاتيح لفهم البنية العميقة للخطاب الإيحائي الذي يحوّل الكلمة إلى سلاح، ويحوّل الإعلام والسياسة إلى مختبرات تنتج الحقائق وفق ما يخدم مواقع القوة. فظاهرة الإسلاموفوبيا لا تنشأ عفواً، بل تتغذّى على هندسة اجتماعية محكمة تبرر الهيمنة وتغلّف المصالح الجيوسياسية بطلاء أخلاقي زائف.
وفي عالم تقاس فيه جرائم العنف لا بحجم فعلها بل بهوية مرتكبها، يغدو المسلم - في لحظة إعلامية خاطفة - رمزاً للإرهاب، بينما تعاد صياغة وصف الجريمة إن كان فاعلها أبيض اللون أو يحمل هوية غربية لتصبح «حادثاً فرديًّا» أو «اضطراباً نفسيًّا». هذه الازدواجية ليست خللاً في التغطية، بل إستراتيجية لإحكام السيطرة على الرواية، حيث يتحوّل الإيحاء إلى قوة قادرة على صناعة مخاوف جماعية وتحصيل مكاسب سياسية.
في هذا الصدد نشر مرصد الأزهر لمكافحة التطرف مقالاً غاص من خلاله في البنية المركبة لهذه الظاهرة، ونستند إلى معطيات تاريخية وتحليلية تكشف أن الإسلاموفوبيا ليست انحيازاً عابراً، بل آلية لإعادة تشكيل خرائط القوة في العالم، وفق قراءة تحليلية تربط بين الإعلام والسياسة وتقاطعاهما مع الإرهاب، وتستشرف مستقبل هذه الديناميكيات.
الإرهاب وإزدواجية المعايير
منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 تحوّلت كلمة: «إرهاب» في الثقافة الغربية إلى مرآة لهوية المعتدي أكثر منها لفعل التدمير، حيث كشف عدة إحصاءات أن التوصيف يتغيّر بحسب الهوية: إذا كان الفاعل مسلماً، تُسند مباشرة إلى «الإرهاب الإسلامي»، وإذا كان غير مسلم، تُطرح التسويغات: «حادث فردي» أو «اضطراب نفسي»، وهذه الإزدواجية ليست مجرد خطأ في التوصيف، بل تبدو إستراتيجية لصياغة سرد مفاده: المسلم عدو، والآخر مخالف شاذ، وبالتالي، تتحوّل الأفعال العنيفة إلى آليات تغذّي الإسلاموفوبيا، وتسوغ سياسات القمع والتصنيف الأمني للمسلمين بوصفها مجموعة محتملة للعدوان، وليس مجرد أفراد عاديين.
الإسلاموفوبيا
تؤكد الأرقام الحديثة أن الإسلاموفوبيا ليست شعوراً فرديًّا أو عرضيًّا، بل ظاهرة مجتمعية متنامية. فعلى سبيل المثال بلغت حالات العنف في «بريطانيا» ضد المسلمين في 2024 نحو 5,837 حالة، وفق الإحصائيات، بارتفاع كبير مقارنة بالأعوام السابقة، وفي أستراليا تضاعفت الحوادث المسجلة للتمييز ضد المسلمين خلال سنتين، حيث سجلت 309 حادثة جسدية و366 حادثة على الإنترنت خلال 2023–2024، مع التأكيد أن غالبية الضحايا من النساء والفتيات المسلمات.
هذا المناخ من التمييز يضعف الثقة المتبادلة في المجتمع، ويؤدي إلى حيز من العزلة، والخوف، وانسحاب بعض المسلمين من المجال العام. إنه ليس فقط مشهداً مأساويًّا معيشيًّا، بل كذلك تدمير للضمانة الاجتماعية التي تكفل للفرد أن يعيش في ظل القيم التي يدعو إليها الإسلام: العدالة، والمواطنة، والمشاركة.
وهنا يظهر أن الإسلاموفوبيا ليست مجرد امتصاص أخلاقي أو لغوي للمسألة، بل أداة في منظومة آلة التأثير الإيحائي التي تستثمر الخوف والتمييز كي تعيد تشكيل الوعي الجمعي وإعادة إنتاج علاقات القوة.
قراءة استشرافية: نحو مناعة معرفية
وأكد المرصد أنه إذا استمرت الأنظمة الإعلامية والسياسية في ممارسة إزدواجية المعايير، فإن الإسلاموفوبيا لن تبقى ظاهرة عابرة في أطراف المشهد، بل ستتحوّل إلى مكوّن راسخ في نسيج الوعي الجمعي داخل المجتمعات الغربية، حيث يُعاد تشكيل الإدراك العام للمسلمين بوصفهم العدو الافتراضي الدائم. إن هذه الحالة من التوجه الممنهج نحو الكراهية لا تنشأ مصادفة، بل تنبع من تكرار الرسائل الإيحائية التي تتغلغل في الخطاب الإعلامي والسياسي، حتى تصبح بمرور الزمن أشبه بالمسلّمات غير القابلة للنقاش. وحين تتكرّس تلك الصورة في المخيال الجمعي، تتحوّل الإسلاموفوبيا إلى أداة سياسية بامتياز؛ تستخدم لتعليل توسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية، وتقنين الرقابة، وتطبيع سياسات القمع الممنهجة ضد الجاليات المسلمة، بحجة الوقاية من الإرهاب، بينما هي في حقيقتها إعادة إنتاج للخوف بوصفه وسيلة لضبط المجتمع وتعميق الاستقطاب الاجتماعي والثقافي داخله.
ومع ذلك، فإن هذا المشهد القاتم لا يغلق أبواب الأمل، إذ لا تزال هناك فسحة معرفية يمكن من خلالها كسر دائرة الإيحاء والتضليل. فالمجتمعات التي تستنير بمبادئ العدل والحق، وتعمل على ترسيخ أسس التثقيف النقدي والإعلام الواعي، قادرة على بناء ما يمكن تسميته بـالمناعة المعرفية في مواجهة منظومات الإيحاء والسيطرة على الوعي. هذه المناعة لا تكتسب بالصدفة، بل تبنى على وعي متراكم يؤهل الأفراد لتحليل الخطاب الإعلامي والسياسي بعيداً عن الانفعال أو الانحياز، بحيث يصبح كل متلقٍّ قادراً على تفكيك الرسائل الموجهة، وقياس الأحداث بمعيار الحقيقة لا الهوية، وبمبدأ العدالة لا الانتماء.
وتبدأ هذه المناعة بثلاث ركائز أساسية: أولها التثقيف النقدي، الذي يهدف إلى تزويد الأفراد بالأدوات الفكرية اللازمة لتحليل الأحداث وفق معايير الحق والعدل، لا وفق صورة نمطية مسبقة أو ضغط إعلامي طاغٍ. فحين يتعلم المتلقي أن يعيد النظر في الخطاب، وأن يسائل اللغة المستخدمة في وصف الأحداث، ينكسر تأثير الإيحاء الذي تنتجه الماكينات الإعلامية. وثانيها الإعلام الواعي، الذي يتحمّل مسؤولية أخلاقية ومهنية في كشف ازدواجية المعايير، وتقديم الوقائع كاملة دون انتقائية أو تزييف، ومنح المسلم موقعه الحقيقي في المشهد بوصفه طرفاً فاعلاً في المجتمع لا متهماً على الدوام. الإعلام الواعي ليس مجرد وسيلة نقل للأخبار، بل سلطة معرفية قادرة على تصحيح الانحرافات الفكرية وإعادة التوازن للسرد العام. أما الركيزة الثالثة فهي التوعية المجتمعية، التي تحصّن الأفراد والجماعات من الانجراف وراء منطق الخوف والتحيّز، وتعزز ثقافة الحوار والتفاهم والمواطنة على أساس المساواة في الكرامة الإنسانية والحقوق. فالمجتمع الذي يدرك أن تنوّعه مصدر قوة لا تهديد، هو وحده القادر على تجاوز الدعاية الإيحائية وتحويلها إلى فرصة للتقارب والفهم المشترك.
بهذه العناصر الثلاثة تتكوّن المناعة المعرفية في مواجهة هندسة الخوف، إذ لا يمكن مجابهة الإيحاء الإعلامي بأسلوب خطابي سطحي، بل بعمق فكري يربط بين الحقيقة والعدل، وبين النقد والضمير. عندئذ، يصبح الوعي درعاً واقياً أمام التلاعب بالتصورات، وتتحوّل المعرفة إلى خط الدفاع الأول ضد الكراهية.
خاتمة ضرورية
واختتم المرصد مقاله بالقول أن ما ذكر آنفاً لا يقتصر على تصدير فكرة أن ما يروّج له إعلاميًّا ليس مجرد تلاعب لغوي في سردية الإرهاب أو تحامل عابر ضد الإسلام، بل تحوّل بنيوي في الوعي الإنساني المعاصر، إذ غدت منظومة الإيحاء الإعلامي والسياسي مصنعاً لإنتاج الحقيقة الموجهة، ووسيلة لإعادة هندسة الإدراك الجمعي وفق مصالح القوة. فحين تختزل الهوية الإسلامية في معادلة الخوف، ويعاد تعريف العدالة بوصفها أداة أمنية لا قيمة إنسانية، يصبح العالم أسير خطاب يزيف الوعي بقدر ما يسوغ السيطرة. إن الإسلاموفوبيا، في جوهرها، ليست خوفاً من الإسلام، بقدر ما هي مشروع هيمنة يتغذّى على الوهم، فهي تصوغ الآخر لتبرر الذات، وتنتج الخوف لتعيد توزيع النفوذ.
لكن الوعي هو النقيض الحقيقي لهذه المنظومة. فحين تمتلك المجتمعات أدوات التحليل النقدي والتمييز المعرفي، وتعيد الاعتبار إلى الحق معياراً فوق الهوية، تنكسر حلقة الإيحاء وتفقد الدعاية قوتها. هنا تتجلّى المناعة المعرفية لا بوصفها رفاهية فكرية، بل بوصفها ضرورة مجتمعية لإنقاذ الإنسان من استلاب إدراكه.