د. تاليا عراوي*
كشفت تقارير عام 2025 المروّعة عن إهمال ممنهج في دور رعاية المسنّين حول العالم، حيث تُرِك كبارنا لمصيرهم وسط أزمات مناخية ونقص حادّ في العمالة، لتكون شهادة مفزعة على مخاطر «تعهيد» أهل الفضل والوقار إلى مؤسسات خارجية.
إن مأسسة الرعاية تمثل أزمة روحية وتناقضاً صارخاً مع الفطرة وقِيَم الإسلام؛ بل إن مسمّى «دار العجزة» في حد ذاته يرسّخ انطباعاً بالعجز والهوان وسلب الاستقلالية، وكأن الإنسان يفقد قيمته الوجودية بمجرد تقدّمه في العمر.
تروي هذه التقارير مآسي لآباء وأمهات تم إقصاؤهم أو نسيانهم بعد تنازلهم عن ثرواتهم، في تحولٍ براغماتي يرى الشيخوخة «معضلة» والوالد «حالة إدارية» تُدار مؤسسياً لضمان إنتاجية الشباب. إلّا أن الرؤية الإسلامية ترفض هذا الشيء؛ فكبار السن ليسوا عبئاً يُرحّل للغرباء، بل هم «صدر البيت» ومصدر إلهي للبركة وباب مشرع للجنة، مكانهما الأصيل داخل حصن الأسرة وملاذها الدافئ.
الإحسان إلى الوالدين
إن هذا الرفض لنموذج دور الرعاية يتجذر في المفهوم القرآني العميق لكلمة «عِنْدَكَ» عندما يأمر الله سبحانه وتعالى بالإحسان إلى الوالدين في سورة الإسراء، فإنه يقرر أن مكانهما الأصيل هو كنف الأسرة المباشر، حيث يقول عزّ وجلّ: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً}.
إن مصطلح «عِنْدَكَ» لغوياً يحمل دلالات القرب المباشر والوجود الفعلي والاحتواء تحت سقف واحد، وبوضعه الوالدين في محيط الأولاد، يرفع القرآن برّ الوالدين من مجرد خيار اجتماعي إلى ركن من أركان العقيدة وتوحيد الله، فإبعاد الوالد عن هذا الحضور دون ضرورة طبية قاهرة يعدّ إخلالاً بالمنظومة الروحية التي صمّمها الله لترقية خُلق الرحمة. وتكتمل هذه الرؤية بما ورد في السنّة النبوية التي قلبت خطاب الخسارة المعاصر إلى خطاب فرصة، فبينما يرى المجتمع الحديث تدهور صحة الوالد عبئاً على الوقت والمال، علّمنا النبي صلى االله عليه وسلم أن الوالد المسن هو فرصة ذهبية للنجاة، ووصف الوالد بأنه «أوسط أبواب الجنة»، محذّراً من التفريط في هذا الباب، وصرخ منبّهاً: «رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه» قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك أبويه عند الكبر، أحدهما أو كليهما، فلم يدخل الجنة».
لقد تجسّد هذا المبدأ في مواقف الصحابة الذين أيقنوا أن برّ الوالدين هو أعظم الجهاد وأقصر الطرق لتأمين المستقبل الروحي للأولاد؛ فحين هاجر رجل لبيعة النبي صلى االله عليه وسلم ليعلن ولائه للدولة تاركاً أبويه يبكيان، أمره صلى االله عليه وسلم بالحسم: «ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما»، مؤكداً أن ساحة العمل الحقيقية هي خدمتهما بقوله لمن أراد الغزو: «أحيٌّ والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد». لقد فهم الصحابة أن أي رعاية مأجورة لا يمكن أن تحلّ محل الخدمة البدنية، وحين رأى عبد الله بن عمر رجلاً يطوف بالكعبة حاملاً أمه على ظهره يقول «إني لها بعيرها المذلل»، وسأله هل أدّى حقها، أجاب: «لا، ولا بزفرة واحدة من زفراتها أثناء الولادة».
هذا الشعور بالدَين اللامتناهي جعل الصحابة يرون آبائهم «مشكاة البيت ونوره» التي تمدّ العائلة بالتوفيق؛ كما كان يفعل أبو هريرة رضي الله عنه الذي كان يقف يومياً عند باب أمه قائلاً: «يرحمك الله كما ربّيتني صغيراً»، فتردّ عليه: «يرحمك الله كما بررتني كبيراً»، ممتثلاً لأمر القرآن بـ «خفض جناح الذلّ من الرحمة». ومن أعظم الشواهد قصة أويس القرني، الذي منعه انشغاله بخدمة أمه المسنّة من لقاء النبي صلى االله عليه وسلم، فبشّر به النبي صلى االله عليه وسلم عمر بن الخطاب وأوصاه أن يطلب منه الاستغفار، فصار «خير التابعين» بفضل «عنده» التي جسّدها بوقاره وخدمته داخل بيته.
كما علّمنا النبي صلى االله عليه وسلم أن البرّ هو المفتاح الذي يزيل عقبات الحياة، كما في قصة الثلاثة الذين سدّت عليهم صخرةٌ باب الغار، فلم يُنجِ أحدهم إلّا توسّله ببرّه بوالديه حين كان يأتيهما بقدح اللبن فيجدهما نائمين، فلبث والقدح على يده ينتظر استيقاظهما والصبية يتضاغون عند قدميه، حتى طلع الفجر، ففرج الله عنهم ببركة هذا الصبر. إن هذا التلاحم هو ما يوافق الفطرة البشرية التي تنتعش بالانتماء لا بالكفاءة الإكلينيكية الباردة، فالبقاء بجانب الوالدين هو حبل النجاة من فردية العصر، وهو الضمان لجلب الرزق والبركة للبيت، فكما قال النبي صلى االله عليه وسلم: «هل تنصرون وترزقون إلّا بضعفائكم؟».
تأمين للمستقبل الروحي
إن وجود المسن في المنزل ليس تكلفة إضافية أو عبئاً، بل هو تأمين للمستقبل الروحي للأبناء وضمان لأن يظل باب الرحمة مفتوحاً لنا عند كبرنا، فالمسلم لا يودع والديه في مؤسسات غريبة، بل يحافظ على وجودهما في قلب المنزل كبطارية روحية تمدّ العائلة بالسكينة، مؤمناً بأن «رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد»، وأن خدمة الوالدين هي العبادة التي تسبق النوافل وتقرّب العبد من ربه أكثر من أي عمل آخر، داعياً دوماً بدعاء إبراهيم عليه السلام: «رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً».
إن هذا التلاحم يوافق الفطرة ويقي من فردية العصر؛ فالكبير في المنزل سندٌ روحي يمدّ العائلة بالسكينة ويؤمّن مستقبل الأولاد. إن معركتنا اليوم ليست «لوجستية»، بل هي معركة وجودية ضد ثقافة «التشييء» التي تختزل الإنسان في قدرته المادية؛ فالمجتمع الذي يرى في والديه «عبئاً» مؤسسياً، يقطع شريان بركته.
إن نموذج «عِنْدَكَ» هو انحياز تام للرعاية الروحية على حساب الخدمة الجسدية الجافة؛ فنحن حين نُشرع أبوابنا لأهل الفضل، نحمي أنفسنا من صقيع الانعزال ونستثمر في خلود الروح، ليبقى البيت حصناً لا تطفئ رياحه قنديل السكينة. وكما لخص القرآن هذه العلاقة الوجدانية: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}.
* كاتبة واخصائية في الأخلاقيات وناشطة في مجال حقوق الإنسان