د. تاليا عراوي*
بينما تترقّب العيون بزوغ هلال شهر رمضان المبارك، يبرز مشهد يربك سكون الروحانية؛ فوانيس وزينة تُعرض كسراب استهلاكي يرهق كاهل البسطاء بأثمان فاحشة. فهذه القطع التي صُنعت لتكون عنواناً للبهجة، باتت رهينة لمقصلة الربح المبالغ فيه، حيث تُباع بخمسة أضعاف تكلفتها في استنزاف مادي يحوّل تجارة السعادة إلى أداة للجشع.
إشكالية أخلاقية وحقوقية
تمثل هذه الظاهرة إشكالية أخلاقية وحقوقية لثلاثة أسباب: الاكتساب غير الأخلاقي للثروة باستغلال العاطفة الدينية، زعزعة الثقة المجتمعية في النزاهة التجارية، وحصر البهجة في يد القادرين فقط، مما يحرم ذوي الدخل المحدود حقهم في إسعاد أطفالهم، الأمر الذي يعمّق الهوة بين المترفين والكادحين.
تتجاوز هذه المعضلة منطق العرض والطلب لتلامس عمق الفلسفة الأخلاقية والصراع الأزلي بين الربح المطلق واقتصاديات القيم التي تضع كرامة الإنسان فوق السلعة، فأيُّ استغلالٍ لها ينافي ما أسّس له أرسطو حين جادل بأن التجارة لا تكون أخلاقية إلّا إذا لَبَّتْ الاحتياجات الطبيعية، معتبراً التربح على حساب الآخرين فعلاً منافياً للمروءة.
وفي العصور الوسطى، تبلور مفهوم السعر العادل عند توما الأكويني بضرورة إنصاف الطرفين، معتبراً التَّرَبُّح من الاضطرار ظلماً أخلاقياً صريحاً، وهو ما أيّده جون لوك برفضه استغلال المحتاج تحت ضغط الضرورة كحال القبطان المنكوب.
ومع أن زينة رمضان لا تُصنّف ضِمن الضرورات المعيشية الملحّة، إلّا أن استغلال االلهفة الروحية لاقتنائها يضعها في خانة الاحتياج المعنوي؛ هذا الإكراه المعنوي يمارسه تجار الزينة اليوم باستغلال لهفة العائلات، محوّلين الضرورة الروحية لابتزاز مادي.
يعيدنا هذا لتقدير جون راسكين لقيمة التاجر في تقديم رفاه المجتمع على الربح، ونقد مدرسة فرانكفورت لصناعة الثقافة التي تنتزع الرموز من سياقها السامي لتسليع المقدّس؛ فتصبح البهجة مشروطة بسلع باهظة تزيّف الحاجات وتقضي على هالة الرمز، محولة إياه وفق والتر بنيامين إلى أداة للاغتراب الطبقي.
ويلتقي هذا الإرث الفلسفي العالمي مع التحذيرات القرآنية الصارمة في وعيد المطففين، إذ يكشف التدقيق أن التطفيف في الجوهر هو بخس الناس أشياءهم، ليس فقط في الميزان المادي بل في قيمتها الرمزية وحقهم في الوصول إليها بإنصاف، عملاً بقوله تعالى: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}، فالمغالاة في ثمن زينة تعبّر عن شعيرة دينية هي ضرب من الإفساد القيمي الصارخ.
إن المنهج النبوي لم يترك السوق لغابة المصالح، بل ضبطه بقيم النصح والسماحة، حيث يقول صلى االله عليه وسلم: (البيعان بالخيار ما لم يتفرّقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما)، مما يجعل المحق الذي حذّر منه النبي صلى االله عليه وسلم هو التفسير الروحي لضياع أثر المال الذي يُجمع من استنزاف عواطف الناس وتوقهم للبهجة.
اغتراب تاجر اليوم
لقد اغترب تاجر اليوم عن نماذج تاريخية جعلت من التجارة جسراً للرحمة لا فخاً للمحتاج، فنستذكر موقف النبي صلى االله عليه وسلم حين مرَّ برجل يبيع طعاماً فأدخل يده فيه فنالت أصابعه بللاً فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ وعندما تعذّر الرجل ببلل المطر، قال صلى االله عليه وسلم كلمته الخالدة: (من غشّنا فليس منّا)، والغش هنا لا يقتصر على عيب السلعة بل يمتد لغش السعر حين يُوهَم المشتري بأن القيمة الاستغلالية هي القيمة الحقيقية للسلعة في موسم مبارك يتكرر دورياً، بينما نجد في سيرة الصحابة تجسيداً حيّاً للنفع المتعدي؛ فهذا عبد الرحمن بن عوف كان يرفض الربح الفاحش معتبراً أن الرزق يكمن في سرعة الدوران والقناعة باليسير الذي يبارك فيه االله، وهذا عثمان بن عفان رضي االله عنه حين اشتد الجدب بالناس رفض أرباح تجار المدينة مؤثراً المتاجرة مع االله حين قال: إن االله زادني، الدرهم بعشرة.. أشهدكم أنها لفقراء المسلمين، لإدراكه أن الربح الحقيقي يكمن في استثمار الفرح في قلوبهم.
إن إعادة الاعتبار لمفهوم السعر العادل وتجارة السعادة هي دعوة لاستحضار قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ}، والتراضي هنا ليس إذعاناً بل هو رضا نفسي نابع من شعور بالإنصاف، فالبركة لن تتحقق إلا إذا تخلصت هذه التجارة من جشعها ليعود الجمال حقاً مشاعاً لكل بيت وفق رحاب الآية: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَتْ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}، دون أن تكسر الأسعار خاطر الفقير الذي ينظر للفانوس خلف الزجاج ويشعر أن دينه الذي جاء للمساواة قد استُلب لصالح أرستقراطية البهجة.
إن زينة رمضان ليست مجرد خيوط مضيئة بل هي هندسة للروح ومحاولة بشرية متواضعة لمحاكاة نورانية الشهر الفضيل في زوايا بيوتنا، وتلوث هذه البهجة ببراثن الجشع يحوّلها من رسالة حب إلى صك استغلال يمزق نسيج التراحم؛ فالربح الحقيقي لا يُقاس بالأرقام المتراكمة في الحسابات البنكية، بل بتلك اللمعة التي يرتسم بها الفرح في عيني طفل بسيط يقتني فانوسه دون أن يشعر والده بذلّ العجز.
إن المعركة الكبرى التي تخوضها زينة رمضان اليوم ليست معركة أسواق، بل هي معركة على أنطولوجيا الوجود؛ أي كيف نعرّف وجودنا الرمضاني؟ هل نحن ذوات روحانية تسمو بالتراحم، أم مجرد كائنات استهلاكية تُعرّف قيمتها بما تقتنيه؟ إن الفانوس الذي يُباع بأسعار باهظة يتوقف عن كونه أداة للتنوير ليصبح أداة للتعمية؛ تعمية القلوب عن جوهر الزهد، وتعمية الأبصار عن انكسار الجار.
إن الفلسفة الحقّة لهذا الشهر تقتضي أن يكون الجمال حقاً مشاعاً كالهواء، لا امتيازاً برجوازياً يُشترى بالمال؛ فالجمال الروحي بطبعه ينفر من الحصر والتملّك، وهو ما يجعل الجشع في الزينة تناقضاً وجودياً صارخاً.
إننا بحاجة إلى ثورة قيمية تعيد الاعتبار لميتافيزيقيا البهجة، حيث تُقاس جودة الزينة بمقدار الحب الذي نُشر معها، لا بمقدار الفائض المادي الذي حققته في جيوب المستغلين. فما نفع الأضواء في الشوارع إذا كانت القلوب مظلمة بشهوة المال، وما قيمة الزينة التي تبهر الأبصار إذا كانت قد شُيّدت على أنقاض انكسار خاطر الفقير؟ إن الفانوس الذي يضاء بالنيّة الصادقة والسعر العادل هو وحده الذي يملك الهالة النورانية والبركة والجمال الذي لا ينطفئ أثره في الدنيا والآخرة.
* كاتبة واخصائية في الأخلاقيات وناشطة في مجال حقوق الإنسان