د. تاليا عراوي*
كم مرّةً غادرنا صلاةَ الجمعةِ والروحُ الإيمانيةُ في أوجِّها، لنجدَ أنفسنا في واقعٍ لا يمتُّ لتعاليمِ الدين بصلة؟ إنَّ لبنان، بجماله المُتعبِ وتاريخهِ العريق، يستدعي إيماناً لا يقتصرُ على جدرانِ المساجد، بل يتخذُ سبيلَ عملٍ ونظامٍ يُنيرُ دروبَ الحياة اليومية. خُطبةُ الجمعةِ هي كنزُنا الأسبوعي، بيد أنها في مساجدَ عديدةٍ أضحت تُشبهُ تسجيلاً مُكرراً لقضايا نظريةٍ قديمة، في غفلةٍ عن التحديات الأخلاقية والمعيشية التي تُداهمُنا. الإيمانُ ليسَ مجردَ فكرة؛ إنه منهجُ حياة، ومنارةٌ تضيءُ طريقَنا، وفي هذا دعوةٌ إلى منابرِنا لإيقاظِ الوجدانِ وتقديمِ نموذجٍ تعليميٍّ عمليٍّ يرتقي بالمسؤوليةِ الفرديةِ والجماعية.
كلُّ مسلمٍ هو سفيرٌ لدينه، وهذا السفيرُ يُمثّلُ الإسلامَ بسلوكه الراقي ونظافته الشخصية والبيئية، وهي أولُ ما يُقرأُ من شريعتنا. نحنُ بحاجةٍ ماسة لأن يمشيَ المسلمُ في الشارعِ رسالةً مُتجسّدةً، تجعلُ الناسَ يقولون: يا لجمالِ هذا الدين! لا أن تدفعهم للابتعادِ والنفور.
يجب أن تكونَ هذه الصورةُ مصدرَ جذبٍ وراحةٍ للجميع. حتى في أدقِّ التفاصيل، كالنداء للصلاة، تظهرُ ترجمةُ جمالِ الإيمان؛ فالأذانُ رسالةُ الله اليومية، هدفه فتح قلوب الناس جميعاً إلى الله والصلاة. وفي هذا الصدد، تُذكرُ وصيةُ النبي صلى االله عليه وسلم لبلال: أرحنا بها يا بلال.
أفكار غائبة
من المؤسفَ أنْ نسمعَ في بعضِ المساجدِ أصواتاً للأذانِ أو تلاواتٍ حادّةً وغير مُريحة، وبعضها ينقطعُ فجأةً لينتقلَ إلى سورةٍ أخرى أو قراءةٍ غير مُكتملة مما يوحي باستخفافٌ بقدسيةِ القرآن الكريم الذي ليسَ أغنيةً تُقطعُ وتُغيّرُ متى شاء القارئ، بل هو كلامُ اللهِ الذي يُتلى بالاحترامِ والكمال.
لنتدبرْ ارتباطَ النظافةِ بالإيمان في صميمِ عقيدتنا. إنَّ القمامةَ والأوساخَ في الأماكن العامة، وفي جوار بعض المساجد، إخلالٌ بتطبيقِ درسٍ إيمانيٍ أساسي.
فالنبيُّ صلى االله عليه وسلم أخبرنا أنَّ الطُّهورُ شَطرُ الإيمان. فكيفَ نقفُ أمامَ أمرِ الله طاهرين، بينما نُهملُ الأمانةَ التي ائتمَننا عليها في محيطنا؟ وكم منا لا يعلم نَّ إماطةَ الأذى عن الطريقِ صدقة مما يجعلُ الحفاظَ على بيئتنا عملاً من أعمال البرِّ قبل أن يكونَ واجباً مدنياً، ومما يُحزنُ حقاً رؤيةُ من يرمونَ القمامةَ من نوافذ سياراتهم أو في الشارعِ حتى وهم سائرون إلى المساجد، وبدلاً من استنشاقِ رائحةِ الطُّهر والإيمان، نرى بعضَ المصلينَ يهملونَ نظافتهم الشخصية فلا يتطهرونَ ولا يرتدونَ ثياباً نظيفة، لا ليومِ الجمعةِ فحسب، بل في كلِّ يومٍ من أيامِ حياتهم.
وعندَ تناولِ موضوعِ اللباسِ الشرعيِّ، نجدُ بعضَ الأئمةِ يتناسونَ أنَّ اللباسَ الشرعيَّ للرجالِ جزءٌ من الإيمان، وأنَّ الحجابَ للمرأةِ يتجاوزُ سترَ الرأسِ والجسدِ ليشتملَ على سترِ رائحةِ الجسدِ والثيابِ المهملة التي قد تدفعُ الناسَ للابتعادِ وعُبورِ الطريقِ الآخرِ تفادياً لإيذاءِ حاسةِ الشمِّ.
الأدوار المنسية
دورُ المنبرِ هو هندسةُ الوجدان، وتحويلُ العدالةِ الاجتماعيةِ والتكافلِ من مُثلٍ عليا إلى ممارسةٍ يوميةٍ مُتجذّرةٍ في حياتنا. . استدامةُ الأمةِ رهنٌ بتوزيعِ الخير، وهذا يتجلّى في التنافسِ على الإحسان، حيثُ يصبحُ تقاسمُ الطعامِ مع الفقراء عملاً أصيلاً، استجابةً لقولهِ تعالى: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}. إنَّ هذا البذلَ للخيرِ يكتملُ بجمالهِ عندَما يلتزمُ بأدبِ الإخفاءِ وسريةِ العطاءِ، بعيداً عن عدساتِ التصويرِ واستعراضِ الذاتِ. كما أنَّ الإحسانَ الحقيقيَّ لا يكونُ بإعطاءِ الفضلاتِ والمهملات، بل بتقديمِ الأفضلِ مما نملكُ، إجلالاً لحقِّ المحتاجِ.
إنَّ الإيمانَ الحقيقيَّ يقتضي يقظةً مستمرةً ضدَّ كلِّ أشكالِ الغشِّ والتدليسِ، خاصةً في الأسواقِ والمعاملاتِ التجاريةِ؛ فالإخلالُ بالميزانِ والتلاعبُ بالجودةِ هو خروجٌ عن صميمِ الشريعةِ التي تدعو إلى إحقاقِ الحقِّ في كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ. وفي هذا الصددِ، تُلخّص القصةُ المذكورةُ عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وابنة المرأة التي أرادت غش اللبن بالماء، أنَّ الإيمانَ الحقيقيَّ يتجسّد في الرقابة الذاتية والالتزام بالنزاهة، حتى في غياب رقابة السلطة أو الناس. وتُعدّ هذه الحادثة دليلاً على أنَّ الاستقامة الأخلاقية يجب أن تنبع من الداخل، وهو ما ينبغي أن تركّز عليه الخطبة الدينية.
التاريخِ يروي كيفَ ارتقى الإيمانُ ليُغيّرَ الواقع. ففي زمنِ الخليفةِ العادلِ عمر بن عبد العزيز، لم يكن الأمرُ مجردَ نظام، بل تجسيداً للإحسان الشامل، حتى بلغَ الحالُ بالأمةِ أنَّ مالَ الزكاةِ لم يعدْ يجدُ فقيراً واحداً يأخذُهُ. ومع كفايةِ الإنسان، امتدَّ إحسانُهُ نحو الخلقِ كله. إننا مدعوون لتعليمِ الناسِ أنَّ كلَّ خَلْقٍ له قيمة، وأنَّ النباتاتِ والحيواناتِ لها حقٌ علينا، وعلينا مسؤولية تجاهها. يُروى عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يأمرُ بـنثرِ الطعامِ على رؤوسِ الجبالِ لئلا يقالَ: جاعَ طيرٌ في بلادِ المسلمين. ونتذكّرُ تجسيدَ أميرِ المؤمنين عمر بن الخطاب لمفهومِ المسؤوليةِ المطلقة؛ فقد كانَ يخشى الحسابَ، حتى قال: «والله لو ماتت شاة على شط الفرات ضائعة، لظننت أن الله سائلني عنها». هذا الشعورُ النبيلُ بالرعايةِ والمسؤوليةِ، الذي يجعلُ كلَّ قلبٍ وكلَّ منصبٍ خادماً للناس وللخلق أجمعين، هو المعيارُ الذي نسعى لترسيخِه في مجتمعنا اليوم.
وختاماً، الفضائلُ السامية كـالتواضعِ، والابتسامةِ، والقولِ الليّن هي مكوناتٌ أساسيةٌ للإحسان، كما قال النبي صلى االله عليه وسلم: «وتبسُّمُك في وجه أخيك صدقة» (رواه الترمذي). هذه الأفعالُ تتحولُ إلى عبادةٍ واعية، تزرعُ الطمأنينة والنور في مُحيط لبنان.
هذا النداء إلى جميع المسؤولين في دار الفتوى، وإلى كل إمامٍ وواعظٍ وخطيبٍ وقائدٍ ديني في هذا الوطن، لقد حان الوقت لتكون الخُطبة مصدراً أسبوعياً للإرشادِ الحيوي والعملي الذي يربطُ الشريعةَ مباشرةً بقضايا الفقر، والنظافة، والمسؤوليةِ العامة. علينا أن نُعلّمَ أن الإيمانَ الحقيقيَّ يَنزلُ من السمواتِ ليُطهِّرَ ويُكرِّمَ شوارعَ وطننا على مرأى ومسمع الجميع. وما أجملَ هذا التجسيد لو أنَّ كلَّ إمامٍ يمشي بنفسهِ في شوارعِ المنطقةِ التي يخطبُ فيها، فيرى ما بها من خللٍ، ليُعالجهُ في خطبتهِ ويُسهمَ في إصلاحِ مجتمعهِ.
إنَّ الأمةَ لن تنهضَ بعباداتٍ منعزلة، بل بمسؤوليةٍ مُتكاملة تُحوّلُ كلَّ زاويةٍ في هذا الوطنِ إلى دليلٍ على عظمةِ هذا الدين.
* كاتبة واخصائية في الأخلاقيات وناشطة في مجال حقوق الإنسان