د. تاليا عراوي*
لطالما استوقفتني تلك اللحظات القرآنية التي يُعاتب فيها الخالقُ نبيه؛ فهي ليست مجرد أحداث تاريخية، بل هي نوافذ تطل على جوهر علاقتنا بالحق. فكيف يمكن للعتاب أن يكون أسمى صور الحب؟ فنحن نقرأ الله الرحيم وهو يخاطب نبيه محمداً صلى االله عليه وسلم بنبرة تحمل ألفة مدهشة، ألفةً تقتحم سكوننا لتهزّ فينا شيئاً غائراً. نلمس ذلك في مطلع سورة عبس، حين يواجه الوحي تلك اللحظة البشرية العابرة بصدقٍ عارٍ: عَبَسَ وَتَوَلَّى. لم يكن العتاب هنا على ذنبٍ، بل كان ميزاناً لضبط بوصلة القلب؛ لقد عاتبه الله لأنه استغرق في محاولة تأليف قلوب سادة قريش رجاءَ إسلامهم، وأعرض للحظة عن رجلٍ ضرير جاءه يطلب النور، ليخبره –ويخبرنا– أن الانشغال بالقوة والجاه على حساب الروح التائقة هو إخلالٌ بترتيب الوجود.
إنها دعوة إلهية لتصويب النظرة، نراها تتكرر في النداءات المستمرة للنبي بأن يستغفر، ويقترب، ويسجد. هذه الأوامر لم تكن مجرد تكاليف، بل كانت ترياقاً يوازن ثقل الرسالة؛ ففي سورة «الشرح»، يأتي النداء ليرفع عنه «الوزر الذي أنقض ظهره»، وفي سورة «النصر»، يُؤمر بالاستغفار في لحظة الفتح الأكبر ليظلَّ القلب موصولاً بمصدر الفضل لا بنشوة الإنجاز. ويتجلّى جوهر هذا الاتصال في المشهد المهيب الذي نقلته لنا السيدة عائشة، حين رأت النبي يقوم الليل حتى تورّمت قدماه، فسألته مستغربة: «يا رسول االله، تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟»؛ فجاء ردّه الذي يختصر فلسفة الوجود: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟». هنا، يتحوّل الاستغفار والسجود من طلبٍ للعفو إلى فعلِ ارتقاءٍ وجودي وامتنانٍ خالص؛ فالنبي لا يصلي ليُغفر له، بل يصلي لأن الله غفر له. الاستغفار هنا هو صمام أمان يضمن للروح ألا تركن لضمان المغفرة، بل تظل في حالة «حضور» دائم، تضع فيها «أناها» جانباً لتجد قوتها الحقيقية في تمام الاتصال بمصدر الوجود.
بالنسبة لنا اليوم، قد تبدو هذه اللحظات مباغتة؛ فإذا كان النبي، وهو أسمى النفوس وأحبها، يُطالب بمراجعة أدق تفاصيل انتباهه وحضوره، فما الذي ننتظره نحنُ من أنفسنا في زحام هذا العالم؟
إهمال الذات
من الطبيعي أن يشعر المرء بنوع من الحيرة، أو ربما بشيء من الممانعة الصامتة، حين يسمع دعاء النبي يونس عليه السلام: سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. قد نتساءل في أنفسنا: «ولكني لم أظلم أحداً اليوم، فلماذا عليّ أن أصف نفسي بالظالم؟». ولكن، حين نمعن النظر، ندرك أن هذه الآيات ليست اتهامات، بل هي دعوة لصدق أعمق مع الذات. إنها تذكّرنا بأن الظلم ليس مجرد إلحاق الأذى بالآخرين، بل هو في أعمق معانيه وضع الشيء في غير موضعه.
وتتجلّى هذه الحقيقة في تفاصيل حياتنا حين نغفل عن أمانة الروح؛ فإهمال الذات والتهاون في رعاية هذا الكيان هو في جوهره وضعٌ اللهوان في موضع التكريم. حين نختار السكينة الزائفة على مواجهة الحق، أو نواري الحقيقة خلف أقنعة المجاملة، نكون قد وضعنا الخوف في مقام الشجاعة، والزيف في مقام الصدق، وهذا هو عين التفريط في ميثاق الاستقامة مع النفس. بيد أن هذا الخذلان للذات لا يتوقف عند حدود الأنا؛ بل هو ظلمٌ يمتد للآخرين وللعالم من حولنا. فنحن نظلم أنفسنا ونظلم من حولنا حين نكتم صوت الضمير أمام مشهد من الجور بذريعة الحياد، أو حين نبدد طاقتنا في معارك لا تليق بنبل غايتنا؛ فكل لحظة نختار فيها التواري عن نصرة ما هو حق، أو نخذل فيها الحقيقة التي تسكننا، نكون قد أزحنا وجودنا عن مكانه الطبيعي، وحرمنا الآخرين من سند الحقيقة التي كان من حقهم علينا أن نجهر بها، لنضع أنفسنا وإياهم في عتمة الغياب والخذلان.
لهذا السبب تبدو المعاتبات القرآنية شديدة القرب، فهي تضفي لمسة إنسانية على المسار الروحي. إنها تخبرنا أن تقويم الله لنبيه ليس علامة على الطرد، بل هو أمارة على الاصطفاء، وأن الاستغفار جسر يردم الفجوة بين حقيقتنا الراهنة وبين تلك الرحابة التي لا تنتهي. والفكرة هنا أن سقف التوقعات يرتفع دائماً مع سموّ الروح؛ فكلما زاد وعي الإنسان وازدادت بصيرته، أصبحت مراجعته لنفسه أكثر صرامة ودقة. ما قد يمرره الشخص العادي كعفو خاطر، يراه صاحب القلب اليقظ تقصيراً كبيراً، لأن من ذاق طعم الحضور والمسؤولية لا يرضى لنفسه بأقل من الاستقامة الكاملة والالتزام المطلق بالحق.
حين نستحضر تلك الكلمات التي ناجى بها الأنبياءُ ربهم في لحظات تجليهم وصدقهم المحض، فنقول كما قال يونس عليه السلام: «إني كنت من الظالمين»، فنحن لا نوصم أنفسنا بالشر، بل نمارس فعل استعادةٍ للبوصلة الروحية، فالأنا بطبيعتها بارعة في نسج التبريرات، وتميل دائماً لتوهمنا بأننا قد بلغنا غاية الصلاح. وحين نهمس بأننا كنا من المقصّرين، فإننا نكسر طوق هذا الغرور، ونقرّ بأننا كائنات محدودة وهشّة، لا يمكنها أبداً أن تفي هبة الوجود حقها. ليس القصد هنا هو استدعاء الشعور بالذنب، بل الحفاظ على يقظة القلب ولين الروح؛ إنها وسيلة للبقاء في حالة انفتاح دائم، تضمن لنا ألا نغترّ بصلاحنا إلى الحد الذي يكفنا عن السعي نحو الحق سبحانه.
في نهاية المطاف، حين يدعو القرآن الكريم النبي ليقترب ويسجد، فإنه يقدم ترياقاً لثقل الوجود البشري. فإذا كان النبي نفسه يحتاج إلى ملاذ السجود ليستمد منه طاقة لروحه، فكم بالحريّ نحتاج نحن إليه لنعبر تعقيدات حياتنا؟ إن لحظات العتاب الإلهي هذه هي، في جوهرها، أسمى صور الحب؛ إنها نداء الراعي الذي يردّ الروح إلى مركزها، لتذكّرنا بأن الحياة الروحية لا تتعلق بتحقيق كمال ساكن، بل بتلك الفضيلة الجميلة والمستمرة: فضيلة التواضع والدوران الدائم حول الحق. ففي عتاب الله لنبيه، نكتشفُ أننا لسنا متروكين لضعفنا، بل نحنُ محاطون برحمةٍ لا تكتفي بقبولنا كما نحن، بل تأخذ بأيدينا برفقٍ لنكون أجمل مما نحن عليه.
* كاتبة وأخصائية في الأخلاقيات وعضو المجلس العالمي للأخلاقيات الطبية الإسلامية وناشطة في مجال حقوق الإنسان