بيروت - لبنان

اخر الأخبار

19 تشرين الثاني 2025 12:00ص نصوص حرة

حجم الخط
د.غازي قانصو 

العالم ليس ما نحمله في أيدينا، بل ما نسمح بأن ينمو داخلنا من صفاء ونقاء ووعي
العالمُ الخارجي زائلٌ، متقلبٌ، متغيرٌ، لكنه مرآة لما نحمله في دواخلنا. يمكن لكل إنسان أن يمتلك الذّهب والفضّة، القُوّة والجاه، وأن يمارس السيطرة على المكان والانسان، بما لهُ من سلطةٍ، لكنه إن لم يزرع في قلبه صفاءً، ونقاءً، ووعيًا حقيقيًا، فإنّ كل ما يملكه المرءُ يبقى مجرد صدى فارغ، يبقى صوتًا بلا معنى.
الصفاء لا يعني الغفلة عن الواقع، بل هو قدرة العقل على التمييز بين الضار والنافع، بين الحق والزيف، بين ما يغذي الروح وما يقتلها. النقاء ليس رفاهية الأخلاق وحدها، بل هو قوة داخلية تحرر الإنسان من الأحقاد والأنانية، وتجعل من حياته ساحة صافية للرحمة والعمل الصادق. أما الوعي، فهو الضوء الذي يربط الإنسان بالكون وبالحق الإلهي، فيدرك أن كل فعل له أثر، وأن كل فكرة تحمل بذرة تغيير.
حين نسمح لهذه القـيَم بالنمو فينا، يتغير عالمنا. لا يعود معيار الحياة فيما نمتلك، بل فيما نصنعه في دواخلنا. تصنع حياتنا بأفعالنا، لا بأشيائِنا؛ بصمتنا، برأفتِنا بالقلوب، لا بسطوتنا على الأشياء. 
العالمُ الحقيقيُّ، الحَيُّ فينا، إذن، ليس حصيلة ما نلمسه أو نحتفظ به او نتملكُه، بل هو انعكاسٌ لصفائِنا الداخلي، وإشراقة وعينا، ونقاءِ ذواتِنا.
الإيمان، يا اخواني، يعلمنا أن الله زرع فينا القدرة على النمو النّفسِيّ، فلا نقمَعَنّ أحدًا، ولا ندفُنَنَّ أحدًا وهو على قيدِ الحياة، وأنّ ما نحمله في قلوبنا من نور وصدق ورحمة، هو الحقيقة الوحيدة التي تبقى، والتي تصنع عالمًا متجددًا، عالمًا يليق بإنسانية الإنسان، عالمًا حيًّا ينبض بالخير والحكمة.
العالمُ الحقيقي لذواتِنا، إذن، يبدأ في داخل كُلٍّ مِنَّا، حيث ينمو الصّلاحُ، ويزهِرُ الإيمانُ، ويَزكُو العملُ  ويضيء الوَعي، ويُشرِقُ القلبُ، ويضيءُ الوِجدان.