بيروت - لبنان

اخر الأخبار

20 أيار 2026 11:37م الإقتصاد اللبناني بين التشظّي الداخلي و شظايا الحرب.

حجم الخط
الدكتور : مازن جبري 

يقف الاقتصاد اللبناني اليوم عند نقطة تقاطع حرجة تتمثل بأزمة داخلية مزمنة وحالة اشتعال جيوسياسي و عسكري  بالمنطقة، خصوصاً بعدما شهد لبنان منذ عام 2019 واحدة من أعنف الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث، آنذاك انكمش الاقتصاد اللبناني بشكل تراكمي يقارب 40% بين 2019 و2024، وفق تقديرات البنك الدولي. هذا الرقم يعكس حجم الانهيار الذي أصاب البنية الاقتصادية للدولة، بعدما تراجعت قيمة الناتج المحلي من مستويات قاربت 55 مليار دولار قبل أزمة 2019 إلى نحو 26–34 مليار دولار وفق التقديرات الحديثة.  اليوم لبنان يرزح بين  قوتين ضاغطتين: قوة الانهيار الداخلي  الناتج عن سوء الإدارة والفساد والتشظّي؛ وقوة التأثيرات الخارجية المرتبطة بالحروب والصراعات الجيوسياسية و الجيو إقتصادية.
إن التشظّي الداخلي، عكس حالة التفكك السياسي والمؤسساتي التي يعيشها لبنان. فالاقتصاد اللبناني لم ينهَار بسبب عامل خارجي فقط، بل نتيجة تراكمات داخلية طويلة شملت:الفساد البنيوي؛غياب الإصلاحات؛انهيار القطاع المصرفي؛فقدان الثقة بالدولة؛والانقسام السياسي والطائفي.
وقد انعكس هذا التشظّي على المؤشرات الاقتصادية  بصورة دراماتيكية حيث ارتفع الدين العام إلى نحو 164% من الناتج المحلي الإجمالي؛ بينما تجاوزت البطالة مستويات 37% في بعض التقديرات لعام 2025.هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن أزمة مالية، بل عن انهيار اجتماعي عميق أدى إلى تآكل الطبقة الوسطى واتساع الفجوة بين فئات المجتمع. هذا التشظّي  جعل الاقتصاد اللبناني قائماً على طبقتين هما الغنية و الفقيرة ما جعله اقتصاداً هشّاً سريع التأثر بأي اهتزاز أمني أو سياسي بسبب غياب الطبقة الوسطى التي تعتبر صمام امان السلم الأهلي و اكثر الطبقات إستهلاكاً. ذلك أدى الى خلق مجتمع اقتصادياً غير متجانس، حيث تتعايش الثروة الحادة مع الفقر المدقع في مساحة جغرافية صغيرة, و تتمركز المداخيل وتتسع الفروقات بين المداخيل ليصبح التفاوت الإجتماعي كبيراً. بالإضافة إن لبنان يعاني من فراغات سياسية متكررة وشلل مؤسساتي مزمن، ما جعل الاقتصاد يعمل بلا مظلة إصلاحية حقيقية. فلا توجد سياسة نقدية مستقرة،أو إصلاحات مالية جذرية.وبذلك أصبح الاقتصاد اللبناني أقرب إلى "اقتصاد البقاء”، لا "اقتصاد النمو”.
رغم كل هذا المشهد القاتم، أستطاع المجتمع اللبناني تبيان قدرة استثنائية على التكيّف بين اقتصاد الصمود واقتصاد الانهيار فتوسّع الاقتصاد الرقمي والعمل الحر، ونمت  المبادرات الفردية، واعتمدت  الأسر على شبكات الدعم العائلية، وظهور أنماط اقتصادية بديلة.
أن لبنان لم يعد يواجه أزمة واحدة، بل عدة أزمات أولها أزمة نظام اقتصادي،أزمة حكم، أزمة ثقة، وأزمة موقع جيوسياسي و ازمة نزوح  من هنا، فإن أي مشروع نهوض اقتصادي يحتاج إلى إعادة بناء الثقة بالمؤسسات. إصلاح القطاع المصرفي. تحييد الاقتصاد عن الصراعات الإقليمية قدر المستطاع.
بالمقابل، تأتي شظايا الحرب لتضيف بُعداً آخر أكثر خطورة. فلبنان بحكم موقعه الجغرافي والسياسي يتأثر مباشرة بأي صراع إقليمي، سواء في فلسطين أو سوريا أو الخليج  أوإيران  وقد أدت التوترات الإقليمية والحرب الأخيرة في المنطقة إلى تراجع السياحة وانخفاض حركة الطيران و تباطؤ الاستثمار وارتفاع المخاطر المالية.
بالإضافة الى إن التحويلات من المغتربين التي تمثل شرياناً حيوياً للاقتصاد اللبناني فإن أي مشكلة سياسية أو عسكرية تؤدي الى إنخفاض تلك التحويلات و التباطؤ االإقتصادي في دول الخليج أو التصعيد الإقليمي قد يؤثر على فرص عمل اللبنانيين ومستويات دخلهم  ، وحجم تحويلاتهم. وبذلك تتأثر القدرة الشرائية للأسر اللبنانية مباشرة.
إن  الحروب المحيطة ضاعفت الأثار السلبية على الاقتصاد اللبناني . فالحرب الأميركية ـ الإيرانية إنعكست على لبنان عبرارتفاع كلفة الطاقة ,بسبب استيراد لبنان معظم احتياجاته النفطية من الخارج  وأي اضطراب في الخليج أو مضيق هرمز يرفع أسعار المحروقات و كلفة الكهرباء وأسعار النقل والإنتاج  فتتحول الحرب الخارجية مباشرة إلى تضخم داخلي. كذلك إن  الخوف الإقليمي يؤدي الى تراجع السياحة والاستثمار و هروب الرساميل والسياح معاً. ومع كل تصعيد سياسي أو عسكري تتراجع الحجوزات، وتتباطأ الحركة التجارية، ويرتفع منسوب الحذر المالي. الجدير ذكره إن الاقتصاد النفسي أو الخوف كعامل اقتصادي يساهم في تراجع النمو الإقتصادي   ، حيث لا يتحرك الاقتصاد في لبنان بالأرقام فقط، بل بالمزاج الجماعي أيضاً. فمجرد الحديث عن الحرب يؤدي إلى تخزين السلع، ارتفاع الطلب على الدولار، تراجع الاستهلاك، وتأجيل الاستثمارات. أي أن الخوف نفسه يتحول إلى قوة اقتصادية تضغط على السوق وتعمّق الأزمة.
الاقتصاد اللبناني اليوم  يبدو كمرآة مكسورة؛ كل شظية تعكس أزمة مختلفة شظية الانهيار المالي، شظية الانقسام السياسي، وشظايا الحروب الإقليمية المتطايرة فوق حدوده. لكنّ لبنان، رغم هشاشته، لا يزال يمتلك عناصر حياة مثل الطاقات البشرية، انتشاراً اغترابياً واسعاً، ومرونة اجتماعية نادرة قادرة على التكيّف مع الظروف القاهرة . أن تحويل هذه العناصر إلى مشروع إنقاذ حقيقي يتطلب انتقال البلاد من منطق إدارة الانهيار إلى منطق بناء الدولة، لأن الاقتصاد لا ينهض وسط التشظّي، ولا ينمو تحت شظايا الحروب.
ختاماً  إن  لبنان اقتصادٌه  منهك نتيجة  الانقسام الداخلي،  و الحروب الإقليمية جاءت  لتعمّق جراحه. وبين أرقام الفقر و النزوح والبطالة والتضخم والدين العام والحرب ، يغدو  لبنان كدولة تحاول البقاء وسط بيئة داخلية مفككة ومحيط إقليمي مشتعل، ليصبح الاستقرار الاقتصادي مرهوناً ليس فقط بالإصلاح الداخلي، بل أيضاً بمصير المنطقة بأكملها.