بيروت - لبنان

اخر الأخبار

22 أيار 2026 12:10ص لا لقانون عفو عام سِياسي انتِقائي كيدي

حجم الخط
فجأة ساد نقاشٌ حادٌ حول قانون عفوٍ عام في مختلف الأروقة السياسية، وكأن تعليمةً عممت ولقيت حماساً لم يشهده العديد من المسائل الوطنية الهامة، والأشد مساساً بالأمور المصيرية، وعلا النقاش إلى حد يدعونا للتساؤل عن الأسباب الحقيقية الكامنة خلف تمرير مثل هذا القانون، في وقتٍ يخشى فيه من تنامي معدلات الجريمة، وتفشي ظاهرة العنف. والخشية كل الخشية في أن يكون خلف محاولة تمرير هذا القانون نتيجة بازارٍ سياسيٍ تسعى من خلاله كل جهةٍ إلى شمول المحسوبين عليها واستثناء خصومها، في الوقت الذي ينبغي أن ينطلق هذا القانون من رؤيةٍ وطنيةٍ متجردةٍ تراعي العدالة والأمن العام وحق المجتمع في الحماية من المجرمين الخطرين.
تدعونا الموضوعية للقول إنه في الأوطان التي ترهقها الأزمات السياسية والانهيارات الاقتصادية والانقسامات الداخلية، قد يكون إصدار قانون عفو عام ضرورةً استثنائيةً ملحة، تفرضه اعتبارات التهدئة الوطنية أو معالجة اختلالاتٍ قضائيةٍ وإنسانيةٍ متراكمة كما هو الحال في تعثر العدالة في لبنان والتي يستدل عليها من تكديس الملفات في أروقة قصور العدل، ولكون نسبة المحكومين لا توازي ربع الموقوفين قيد الملاحقة. غير أن خطورة هذا القانون تكمن في أنه، فيما لو فقدتْ معاييره الموضوعية يتحول إلى أداةٍ للمساومات السياسية أو للمحاصصة الفئوية، ويمسي أخطر على الدولة والمجتمع من ظاهرة تفشي الجريمة، لأنه يطيح بما تبقى من ثقة المواطنين بالقانون، ويحول العدالة إلى وجهة نظرٍ تخضع لموازين النفوذ لا لمقتضيات الحق والإنصاف وإرساء العدالة. 
كما تدعونا الموضوعية أيضاً للإقرار بأن لبنان يعاني من أزمةٍ سجنيةٍ وقضائيةٍ خانقةٍ وغير مسبوقة؛ حيث الاكتظاظ في السجون خطيرٌ، وبطءٌ المحاكمات مرهقٌ للمتقاضين، وتفاوتٌ في بعض المقاربات القضائية، ومئات الموقوفين أمضوا سنواتٍ طوالٍ من دون النظر بقضاياهم، وثمة ملفاتٍ تمت فبركتًها لاعتباراتٍ سياسيةٍ أو توجهات داخليةٍ متناقضة ومعقدة، وأخرى تمت تبسيطها وتسويتها، ومن شبه المؤكد أن محاكماتٍ مسيسةٍ وقع ضحيتها مئات المحكومين، كل ذلك ولد شعوراً واسعاً بغياب وحدة المعايير واستقلالية القضاء. الأمر الذي يوجب مقاربة قانون العفو من منظارٍ متجردٍ متوازنٍ يراعي خصوصية المرحلة وبعض الحالات الضاغطة من دون السقوط في فخ التساهل الشامل تجاه الظاهرة الإجرامية المتزايدة وبخاصة تجاه المجرمين الخطرين.
مما لا شك فيه أن معالجة الاختلالات التي أشرنا إليها لا يمكن أن تتم عبر عفوٍ عشوائيٍ يساوي بين من تورط في أفعالٍ جرميةٍ ظرفيةٍ عرضية (مجرم بالصدفة)، وبين من احترف الإجرام واتخذ من الاعتداء على المجتمع والدولة وسيلةً لتحقيق النفوذ أو الثروة أو السلطة. ذلك أن العفو الذي لا يفرق بين خطأٍ عابرٍ وإجرامٍ منظم، يتحول إلى إعلان عجزٍ رسميٍ عن حماية المجتمع، وإلى رسالةٍ خطيرةٍ مفادها أن الجرائم الكبرى يمكن أن تمحى بتسويةٍ سياسيةٍ أو بمرور الوقت والتسويف.
ولذلك نقول: إن أي قانون عفوٍ عامٍ يجب أن يقوم على قاعدةٍ جوهريةٍ مفادها أن العفو ينبغي إلا يمنح لمجرمين خطرين مهما كانت الظروف، وألا يشمل الجرائم التي تهدد المجتمع والدولة والاقتصاد الوطني والسلم الأهلي أن تكن الأحجيات والدوافع.
وفي هذا الإطار ينبغي التأكيد على وجوب استبعاد الجرائم التي تنم عن خطورةٍ إجرامية من قانون العفو، وفي مقدمتها جنايات المخدرات بجميع أشكالها وصورها (زراعة، تصنيع واتجار وترويج)ـ ومختلف أشكال الجرائم المنظمة وفي جرائم الإرهاب وتبييض الأموال والاتجار بالبشر وإدارة شبكاتها وتمويلها، لأن هذه الجرائم لا تعد مجرد حالاتٍ إجراميةٍ عابرة أو منفردة، بل تدل على احتراف الإجرام أو الاعتياد عليه أو تندرج في إطار أنشطةٍ إجراميةٍ منظمة، تتسبب في تدمير المجتمع واستهداف الأجيال الشابة. فالتساهل مع هكذا مجرمين خطرين لا ينم عن رحمةٍ اجتماعية، بل عن فساد، ومساهمةٍ مباشرةٍ في رفع معدلات الجريمة والانحلال الأخلاقي وتقويض الأمن المجتمعي.
كما ينبغي استبعاد معتادي الإجرام، ولا سيما الملاحقين منهم أو المحكومين بارتكاب خمس قضايا جناية التوصيف وما فوق، أو المحكومين بثلاث قضايا جنائيةٍ مختلفة، لأن تكرار الجرائم الجسيمة يكشف عن خطورةٍ إجراميةٍ متأصلة، وعن انعدام أي أثرٍ رادعٍ للعقوبات المخففة، ولا بفتاوى تقصر أشهر السنة السجنية. وكذلك لا يجوز، تحت أي ذريعةٍ سياسيةٍ أو ظرفية، شمول المتورطين باغتيالاتٍ سياسيةٍ بالعفو العام، لأن هذه الجرائم لا تستهدف أفراداً فحسب، بل تضرب الحياة الوطنية والاستقرار والسلم الأهلي في الصميم. كما ينبغي استبعاد الملاحقين أو المحكومين بجرائم القتل العمد، ولا سيما تلك المقترنة بسبق الإصرار والترصد أو لدوافع شائنة أو بأساليب وحشية، فضلاً عن جرائم قتل القاصرين أو اغتصابهم، لما تنطوي عليه من انحطاطٍ أخلاقيٍ وإنسانيٍ بالغ الخطورة.
ويقتضي الواجب الوطني أيضاً استبعاد الجرائم التي تمس أمن الدولة وسيادتها، وفي مقدمتها جرائم المؤامرة والتعامل مع العدو والتجسس لصالح جهاتٍ معادية للبنان، فضلاً عن الجرائم الإرهابية المنظمة بغرض التخلص من الخصوم السياسيين، وجرائم الخطف واحتجاز الرهائن بقصد الابتزاز المالي أو التعذيب. 
كذلك، لا يمكن أن يشمل أي عفوٍ الجرائم التي تمس وجدان اللبنانيين وحقوقهم الأساسية، وفي صدارتها تلك الواقعة على المال العام، كما جرائم الفساد الكبرى التي قوضت مقومات الدولة السياسية والاقتصادية والمالية، ومنها الاختلاس والإثراء غير المشروع، واستثمار النفوذ، واستغلال الوظيفة العامة، باعتبارها أحد الأسباب الرئيسية لانهيار الدولة وتعطيل مؤسساتها وحرمان اللبنانيين من حقوقهم الأساسية، وتلك الجرائم التي ساهمتْ في تدمير الاقتصاد اللبناني وإفقار اللبنانيين ونهب مدخراتهم، أو تبديدها. ويضاف إليها جرائم المضاربة على العملة الوطنية بصورةٍ منظمة، أو تهريب الأموال إلى الخارج بصورةٍ غير مشروعة، أو باستغلال النفوذ المالي والسياسي لتحويل الثروات إلى الخارج في الوقت الذي كان فيه اللبنانيون عاجزين عن الوصول إلى جنى أعمارهم ومدخراتهم. وأية محاولةٍ لإدخال هذه الجرائم في إطار العفو العام تعني عمليًا إعدام ما تبقى من ثقةٍ بالدولة والقضاء.
وبموازاة ذلك، يمكن أن يتجه العفو إلى تخفيض العقوبات عن باقي الجرائم، بما في ذلك تلك التي جاءت لدوافع سياسيةٍ أو شريفة أو طال أمد التوقيف فيها بصورةٍ غير مبررة، أو شابتْ المحاكمات فيها شوائب جديةٌ تتعلق بعدم حيادية رئيس المحكمة وربما كامل هيئتها وافتقاد أحكامهم لوحدة المعايير أو العدالة الناجزة، شرط ألا يكون ذلك على حساب أمن المجتمع وحقوق الضحايا. وعلاوة على ذلك، إن الدولة التي تكثر من إصدار قوانين العفو من دون ضوابط صارمة، تولد قناعةً مدمرةً لدى أفراد المجتمع مفادها أن العقاب ليس مسألةً حتمية، وأن الجرائم الكبرى يمكن أن تمحى بتسوياتٍ سياسية تظهر بعفو عام. وهذا أخطر ما يدمر المجتمعات، لأنه يضعف الردع ويشجع المجرمين على التمادي، ويجعل الإفلات من العقاب ثقافةً قاتلة.
لذلك، نرى أن المطلوب اليوم ليس أي قانون عفوٍ، أو قانونٍ يفصل على قياس القوى السياسية أو مصالحها، أو وسيلةً لتملص كبار النافذين في الدولة من تبعات ارتكاباتهم وخرقهم للقوانين الجزائية وإفلاتهم من المساءلة العقاب. بل قانونٌ يعيد الاعتبار إلى العدالة المجردة، ويوازن بين مقتضيات الرحمة وواجب حماية المجتمع، بحيث لا يأتي العفو كصك براءةٍ لكبار المجرمين وأنذلهم، ولا يتحول إلى جائزةٍ لمن دمروا الدولة وأرهقوا اللبنانيين بالجريمة والفساد والدمار.
لا لقانون عفوٍ، يبرئ كبار المجرمين، ويراكم مظالم صغار المرتكبين.