السيرة التاريخية والسيادية لمطار القليعات (1/3)
بين ثنايا سهل عكار المنبسط والساحل الشمالي الممتد نحو أفق البحر الأبيض المتوسط، لم يعد مطار القليعات مجرد مدرج مرصوف يختزل ذكريات الماضي، بل تحوّل إلى قلب لبنان النابض وشريانه السيادي الذي يُعاد بث الحياة في عروقه. فمع إطلاق ورشة العمل الضخمة لإعادة تأهيل وتشغيل المطار برعاية رئيس الحكومة الدكتور نواف سلام، يدخل هذا المرفق الحيوي حقبة جديدة تتجاوز كونه منشأة لوجستية بديلة فرضتها ظروف الحرب الراهنة، لتكرّسه منصة استراتيجية لإنماء الشمال وربط لبنان بالعالم.
هذا المرفق، الذي يحمل رسمياً اسم «مطار الرئيس الشهيد رينيه معوض»، ليس وليد صدفة إنمائية أو ترف خدماتي، بل هو مرآة عاكسة للتحوّلات الجيوسياسية الاقتصادية والعسكرية الكبرى التي صاغت وجه المشرق العربي على مدار قرن من الزمن. لقد جاءت نواته الأولى نتيجة تلاقي شريانين حيويين هيمنا على جغرافيا المنطقة: كارتيلات النفط الأجنبية العابرة للحدود، والاستراتيجيات الحربية للدول الاستعمارية الكبرى إبان الحرب العالمية الثانية. وفي هذه الحلقة، وتزامناً مع ورشة التأهيل التاريخية التي انطلقت اليوم، نفتح الدفاتر التوثيقية الأولى لنشأة هذا المرفق، مستعرضين خصائصه الطبيعية الاستثنائية وكيف تحوّل من مدرج ترابي خاص بشركة بريطانية احتكارية عام 1934، إلى قاعدة عسكرية تكتيكية واجهت طائرات وغواصات دول المحور قبل إعلان استقلال الدولة اللبنانية.
• الذهب الأسود يكتشف جغرافيا عكار: حقبة
شركة IPC
تبدأ الحكاية في ثلاثينيات القرن العشرين، وتحديداً في الحقبة التي شهدت صراعاً دولياً محموماً للسيطرة على منابع الطاقة في الشرق الأوسط. كانت شركة نفط العراق الإنجليزية (Iraq Petroleum Company - IPC) قد وضعت مخططاتها الاستراتيجية لمد خطوط أنابيب النفط العملاقة من حقول الإنتاج الغزيرة في كركوك بالعراق، لتعبر البادية السورية وصولاً إلى الساحل الشرقي للمتوسط. وبموجب اتفاقيات الامتياز التي وقعتها الشركة مع الدولة اللبنانية تحت سلطة الانتداب الفرنسي، وقع الاختيار على شمال لبنان وتحديداً منطقة البداوي في طرابلس لتكون المصب النهائي وموقع مصفاة التكرير الكبرى.
لإدارة هذا المجمع الصناعي والنفطي الضخم الممتد عبر مئات الكيلومترات في جغرافيا صحراوية مقفرة، برزت حاجة لوجستية ملحّة وعاجلة لدى الإدارة البريطانية الحاكمة للشركة: إيجاد وسيلة مواصلات سريعة وآمنة قادرة على ربط مصب طرابلس بمحطات الضخ المنتشرة في البادية (والتي عُرفت تاريخياً بمحطات الـ H)، وصولاً إلى المقرات الإدارية العليا في بغداد ولندن. كان نقل المهندسين الأجانب، المديرين، قطع الغيار الحيوية، والتقارير الفنية العاجلة يستغرق أياماً عبر الطرق البرية البدائية، مما جعل الاتصال الجوي خياراً حتمياً لا بديل عنه.
في عام 1934، باشرت الفرق الهندسية التابعة لشركة IPC عملية مسح شاملة لشمال لبنان بحثاً عن أرض تصلح لبناء مدرج طيران خاص ومغلق. وقع الاختيار فوراً على بلدة القليعات الساحلية الواقعة في قلب سهل عكار. تمثلت الأسباب الأولية في رخص ثمن الاستملاك، وقرب الموقع الجغرافي من خط أنابيب النفط ومصفي البداوي، فضلاً عن الأبعاد الجيوسياسية للموقع الذي يتوسط المسافة بين مدن الشمال الكبرى والحدود السورية البرية. وهكذا، شقت الشركة الإنجليزية النواة الأولى للمطار، وأقامت فوقه مدرجاً ترابياً ممهداً بالحصى والرمل، وحظيرة (هنجر) معدنية بسيطة لصيانة الطائرات المروحية الصغيرة الخفيفة (مثل طائرات De Havilland Dragon Rapide)، إلى جانب مخزن وقود ومكتب لاسلكي صغير لإدارة الحركة الجوية الخاصة بالشركة، دون أن يكون للموقع في تلك الحقبة أي صفة مدنية أو تجارية مفتوحة للعموم.
• معجزة الطبوغرافيا: مساحة شاسعة وأمان جوي مطلق
أثبت الاستخدام الأوّلي للمهبط من قبل طياري شركة النفط أن اختيار أرض القليعات كان بمثابة اكتشاف لمعجزة طبوغرافية ومناخية نادرة في حوض المتوسط. يمتد عقار المطار على مساحة إجمالية عملاقة وضخمة تبلغ حوالى 5.5 ملايين متر مربع (خمسة ملايين وخمسمئة ألف متر مربع)، وهو تموضع مساحي يمنحه أفضليات فيزيائية مطلقة جعلت المتخصصين عبر العقود يصنفونه كأفضل موقع طيران في لبنان والمنطقة.
وينقسم هذا العقار الشاسع إلى جزأين أساسيين صاغا رؤيته المستقبلية: الجزء الجنوبي المخصص للمطار ومدرجاته وتبلغ مساحته 3.25 ملايين متر مربع، والجزء الشمالي المخصص للمنطقة الاستثمارية والاقتصادية وتبلغ مساحته 2.25 مليون متر مربع. يقع المطار على بعد 105 كيلومترات فقط شمال العاصمة بيروت، و25 كيلومتراً شمال مدينة طرابلس، ولا يفصله عن الحدود اللبنانية - السورية سوى مسافة تتراوح بين 5 إلى 7 كيلومترات، وهو ما يربطه تلقائياً بشبكة طرق دولية ساحلية وداخلية بالغة الأهمية.
لكن الميزة الأبرز التي منحت المطار تفوقاً هندسياً على مطار العاصمة بيروت لاحقاً هي طبيعة سهل عكار المنبسطة؛ إذ يمتاز الموقع باستواء تضاريسه التام وخلو محيطه الجغرافي والدائري من المرتفعات الجبلية العائقة أو التجمعات العمرانية والأبنية المدنية الشاهقة. هذا الخلو التام من العوائق يسمح للطائرات بمختلف أحجامها وأوزانها بمناورة المقاربة والهبوط والإقلاع بزوايا رؤية مفتوحة وهوامش أمان مرتفعة للغاية. يُضاف إلى ذلك تميز الموقع باستقرار مناخي فريد ومقاومة طبيعية لتشكل العواصف الضبابية الكثيفة أو التيارات الهوائية غير المستقرة التي تؤثر عادة في سلامة الطيران، مما يتيح تسيير الملاحة عبره بكفاءة وأمان حتى في أسوأ الظروف الطقسية التي قد تشل الحركة في المطارات المجاورة.
• 1941: خنادق الحلفاء وتوسعة المدرج في الحرب العالمية الثانية
شهد العام 1941 انعطافة دراماتيكية كبرى نقلت مطار القليعات من طور المنشأة النفطية الخدماتية والخاصة بشركة احتكارية، إلى عمق الصراع العسكري الدولي إبان الحرب العالمية الثانية وقبل إعلان استقلال دولة لبنان الكبير. مع سقوط فرنسا تحت الاحتلال الألماني وتشكيل حكومة فيشي الموالية لدول المحور، بسطت سلطات الانتداب الفيشي سيطرتها العسكرية على مقاليد الحكم في سوريا ولبنان. وتحول المشرق العربي فجأة إلى ساحة مواجهة مباشرة، حيث أصبحت مناجم النفط وشرايين إمداده ومصافي التكرير في طرابلس وحيفا تحت التهديد المباشر للطيران الحربي الألماني والإيطالي.
لم يكن بإمكان بريطانيا وقوات الحلفاء الوقوف مكتوفي الأيدي أمام احتمال سيطرة الألمان على نفط المنطقة. وفي صيف عام 1941، شنت قوات الحلفاء (التي ضمت وحدات من الجيش البريطاني، والقوات الأسترالية، والنيوزيلندية، وقوات فرنسا الحرة بقيادة الجنرال ديغول) هجوماً عسكرياً شاملاً ومكثفاً عُرف تاريخياً باسم «عملية المُصَدِّر» (Operation Exporter) لطرد قوات حكومة فيشي وتأمين الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط.
خلال هذه الحملة العسكرية الضارية، احتلت قاعدة القليعات أهمية استراتيجية بالغة في خطط جنرالات الحلفاء نظراً لقربها الحاكم من الشواطئ والحدود البرية. وصادر جيش الحلفاء مهبط شركة النفط وتحول الموقع رسمياً في العام 1941 إلى قاعدة عسكرية تكتيكية ناشطة. وباشرت وحدات سلاح الهندسة الملكي البريطاني (Royal Engineers) ورشة أشغال هندسية واسعة النطاق غيّرت معالم المطار بالكامل:
- تمّت توسعة المدرج الترابي القديم ودكه بالحصى الثقيل والرصف الخرساني الأوّلي المدعم بالمواد الرابطة المخصصة لتحمل الأوزان الثقيلة.
- أُهِّل المدرج ليستقبل المقاتلات الحربية السريعة وطائرات الاستطلاع والشحن العسكرية التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني (RAF).
- تحددت الهوية الوظيفية الحربية للمطار في اتجاهين: الأول هو توفير مظلة حماية جوية ودوريات مستمرة لرصد ومحاربة الغواصات الألمانية التي كانت تتربص بالسفن في عرض البحر، والثاني هو حماية مصفاة ومصب نفط طرابلس التي كانت تُعدّ المغذّي الحيوي والأساسي بالوقود لجيوش الحلفاء وأساطيلهم البحرية في شرق المتوسط.
بانتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 وهزيمة دول المحور، ثم جلاء الجيوش الأجنبية تدريجياً عن الأراضي اللبنانية، انقشعت سحب الحرب عن سهل عكار، واستعادت شركة نفط العراق (IPC) سيطرتها اللوجستية المحدودة على المطار لاستخدامه في رحلات مهندسيها. إلّا أن المرفق كان قد خرج من هذه التجربة القاسية بهوية جديدة كلياً؛ فقد تحوّل هندسياً وبنيوياً ومساحياً إلى قاعدة جوية متكاملة تملك كافة المقومات الجغرافية والفيزيائية ذات الأبعاد السيادية والاستراتيجية الواضحة، مما جعله محط أنظار قيادة الجيش اللبناني والدولة اللبنانية الحديثة الاستقلال، والتي التقطت مبكراً الأهمية الدفاعية القصوى لهذا الموقع، تمهيداً لضمه رسمياً وصياغة عقيدته العسكرية في العقود اللاحقة.
- يتبع: الميراج حوّلته إلى أحدث قاعدة جوية في الشرق الأوسط






