بين عقلانية الخليج وانتحار طهران: هل دقّت ساعة المواجهة العسكرية المباشرة؟
تحت وطأة التصعيد الإقليمي المتدحرج، تشهد منطقة الخليج العربي إعادة تموضع إستراتيجي هي الأكثر تعقيداً ودقة في تاريخها الحديث. فلم تعد عواصم القرار الخليجي تراقب مشهد المواجهة المحتدمة بين القوى الكبرى والإقليمية من مقاعد المتفرجين؛ بل وضعتها الاعتداءات الحوثية الأخيرة التي استهدفت العمق السعودي بطائرات مسيّرة انقضاضية وصواريخ باليستية طالت منشآت حيوية، إلى جانب التهديدات المستمرة للممرات المائية ومنشآت الطاقة، في قلب معادلة الصراع المباشر. يطرح هذا الواقع الميداني المتفجر تساؤلاً مصيرياً يتجاوز مجرد التحليل اليومي: هل تنزلق دول الخليج اضطرارياً إلى أتون هذه الحرب الشاملة ردّاً على استهداف سيادتها، أم أنها تتقن لعبة «الحافة الحرجة» للحفاظ على استقرارها ومكتسباتها الاقتصادية؟
القراءة المتأنّية للتحركات الميدانية وتقديرات المواقف الصادرة عن كبريات مراكز الابحاث الدولية تفكك هذا المشهد المعقّد عبر ثلاثة مسارات إستراتيجية وميدانية متوازية تحكم الأداء الخليجي الراهن.
• الدفاع الصاروخي المتكامل وإستراتيجية «الردع الصامت»
ميدانياً، تترجم دول الخليج مخاوفها الإستراتيجية عبر تحديث منظوماتها الدفاعية وتطوير قدراتها الرادعة. ووفقاً لبيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) ومركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) في واشنطن، فإن دول مجلس التعاون الخليجي تمتلك اليوم واحدة من أكثف شبكات الدفاع الجوي والصاروخي وأكثرها تطوراً في العالم.
وتعتمد هذه الشبكة بشكل أساسي على بطاريات «باتريوت» (PAC-3) الأميركية المتطورة، مدعومة بمنظومة «ثاد» (THAAD) المخصصة للدفاع عن المناطق المرتفعة ذات المدى الأبعد. وقد جرى مؤخراً تفعيل قنوات الربط الاستخباراتي والعملياتي الفوري لهذه المنظومات مع القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) لإنشاء ما يُعرف بـ الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل (IAMD). هذا التنسيق يسمح برصد الصواريخ والمسيّرات لحظة انطلاقها من العمق الإيراني أو الأراضي اليمنية، مما يمنح غرف العمليات الخليجية وقتاً ثميناً للتعامل مع التهديدات وإسقاطها قبل بلوغ أهدافها الحيوية.
لكن الموقف لم يعد يقتصر على الصدّ الدفاعي التقليدي الصرف. إذ تشير تحليلات معهد الحرب البرية البريطاني (RUSI) إلى تحوّل تدريجي وغير معلن في العقيدة الدفاعية الخليجية نحو ما يمكن تسميته «الردع غير المتناظر» أو «الردع الصامت». فبينما تحرص دول الخليج علناً وبشكل صارم على إعلان حيادها التام تجنّباً لضربات انتقامية إيرانية مباشرة تستهدف البنية التحتية النفطية الحسّاسة (تكراراً لسيناريو استهداف منشآت بقيق وخريص سابقاً)، تفيد تقارير تسريبية رصدتها وكالات أنباء دولية مثل «رويترز» و«بلومبيرغ» بأن هناك تنسيقاً استخباراتياً رفيع المستوى يجري خلف الكواليس لتمرير معلومات المسارات الجوية للمسيّرات، مع غض الطرف عن استخدام حلفاء دوليين لبعض الأجواء أو القواعد اللوجستية لشنّ ضربات مضادة ومجهولة الهوية ضد مصادر التهديد في العمق، لإيصال رسائل حاسمة لطهران بأن استباحة الأجواء الخليجية لن تمرّ دون كلفة باهظة.
• معضلة مضيق هرمز وحرب الممرات المائية
يمثل التهديد الإيراني بفرض قيود صارمة على حركة الملاحة في مضيق هرمز، أو الإعلان عن ما تصفه طهران بـ«سلطة مضيق الخليج الفارسي»، تحدّياً وجودياً للاستقرار الاقتصادي الخليجي والعالمي على حد سواء. وفي دراسة تحليلية مفصلة صادرة عن معهد الشرق الأوسط في واشنطن (MEI)، يظهر أن دول الخليج ترفض الانفراد بعبء حماية الملاحة الدولية والاصطدام المباشر مع إيران في هذا الملف، بل تعمل على تدويل هذه المعضلة ونقلها إلى المربع الدولي عبر مسارين رئيسيين:
- تطوير واستثمار البدائل اللوجستية البرية: تسعى دول المنطقة، وخاصة السعودية والإمارات، إلى رفع الكفاءة الاستيعابية لخطوط الأنابيب البديلة لتفادي المرور بمضيق هرمز عند الضرورة القصوى. ويشمل ذلك زيادة ضخ النفط عبر خط أنابيب شرق - غرب السعودي الواصل إلى موانئ البحر الأحمر، وخط أنابيب حبشان - الفجيرة الإماراتي المطل على خليج عمان خارج الخليج العربي. وعلى الرغم من أن هذه الخطوط لا تستوعب كامل الصادرات الخليجية، إلا أنها تمثل صمام أمان حرج لتأمين الحد الأدنى من التدفقات المالية والاقتصادية.
- التدويل الأمني للممرات المائية: تعمل الدبلوماسية الخليجية على دفع القوى الكبرى (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، وحتى القوى الآسيوية المستوردة للنفط مثل الصين والهند) لتحمل مسؤولياتها الأمنية والقانونية في تأمين حرية الملاحة الدولية. ومن خلال الانضواء تحت مظلة تحالفات بحرية دولية متعددة الجنسيات، تحرم دول الخليج طهران من فرصة الاستفراد بها كخصم مباشر في ملف الطاقة والملاحة، وتحول أي اعتداء إيراني على السفن إلى مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي بأسره.
• جبهة اليمن وتحييد «حرب الاستنزاف»
على المقلب الآخر من الجغرافيا السياسية، تمثل الجبهة الحوثية التحدّي الأكثر حساسية وحرجاً للرياض وعواصم الجوار الخليجي. ويفيد مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية بالاشتراك مع معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى بأن التهديدات الحوثية الأخيرة لعمق المنطقة تهدف بالأساس إلى إقحام دول الخليج في الصراع الإقليمي كأطراف مباشرة، مستغلين معادلة الضغط الاقتصادي وإعادة تنشيط خطوط الإمداد العسكري عبر مطار صنعاء لفرض شروط سياسية جديدة والتراجع عن التفاهمات والهدنة السابقة.
وتتعامل دول الخليج، وبخاصة المملكة العربية السعودية، مع هذا الملف الحرج بـ«عقلانية حذرة وباردة» ترتكز على قاعدتين أساسيتين:
1. الفصل التام بين الدفاع والاعتداء: تفعيل أنظمة الاعتراض الدفاعي الصارم واللحظي لأي صواريخ أو مسيرات تخترق الأجواء السيادية للدول الخليجية، مع تجنب القيام بأي ردود أفعال هجومية مباشرة داخل الأراضي اليمنية قد تؤدي إلى انهيار الهدنة الضمنية والهشّة، مما يمنع الحوثيين من الحصول على الذريعة لإعادة استهداف المنشآت الحيوية بشكل واسع وثابت.
2. الاستثمار في الضربات الدولية الموازية: تفضل عواصم القرار الخليجي ترك مهمة تحجيم القدرات العسكرية والبنية التحتية للحوثيين للضربات الجوية والصاروخية المباشرة التي تنفذها الولايات المتحدة وبريطانيا. هذه المقاربة تضمن تقليص خطر الجماعة وقدرتها الهجومية دون أن تتحمل دول الخليج التبعات السياسية والعسكرية المباشرة لتلك العمليات، ودون الانجرار مجدداً إلى مربع الحرب البرية واستنزاف المقدرات الاقتصادية التي تركز دول المنطقة على استثمارها في مشاريع التنمية والبناء الداخلي.
• آفاق المرحلة: خيارات «الحياد المسلّح النشط»
تتأرجح خيارات دول مجلس التعاون الخليجي في المرحلة المقبلة بين سيناريوهين رئيسيين ترسم ملامحهما التطورات الميدانية المتسارعة:
أ. سيناريو الاحتواء وتثبيت الردع (المفضل خليجياً): يرتكز هذا السيناريو على نجاح الضربات الدولية والضغوط الاقتصادية في تحجيم القدرات الهجومية الإيرانية وحلفائها الإقليميين إلى حد يمنعها من تهديد جيرانها. هذا النجاح سيتيح لدول الخليج العودة الفورية إلى مربع الدبلوماسية النشطة واستثمار قنوات الاتصال الخلفية لترتيب تفاهمات أمنية إقليمية جديدة قائمة على احترام السيادة والمصالح المشتركة. ب)سيناريو الانزلاق الاضطراري والمواجهة الدفاعية: في حال تجاوز التحرش الإيراني أو الحوثي الخطوط الحمراء الإستراتيجية، واستهدف الشرايين الحيوية للاقتصاد الخليجي بشكل مستمر وغير مسيطر عليه، قد تجد دول المنطقة نفسها مضطرة للتخلّي عن سياسة «الحياد الحذر» والتحوّل نحو الانخراط في تحالفات دفاعية وهجومية معلنة وشاملة لشل حركة مصادر التهديد في مهدها، دفاعاً عن أمنها القومي الوجودي.
في المحصلة، تظهر القراءة المتكاملة للمشهد أن دول الخليج لا تسعى إلى الحرب ولا ترغب في تأجيجها، بل تدير معركة دفاعية ودبلوماسية بالغة الذكاء والدقة لضمان استقرارها وتنميتها المستدامة. وأمام هذا الترقب الحذر، يظل السؤال الكبير والفيصل في رسم معالم المرحلة المقبلة: هل تتغلب «العقلانية الباردة» التي تحكم القرار السعودي والخليجي على «التهور الإستراتيجي» الإيراني وحساباته الإقليمية؟ أم أن طهران ستستمر في انتهاج سياسة حافة الهاوية والانتحار السياسي، لتفرض على عواصم الخليج خياراً لا مفر منه، ويدفع بها دفعاً نحو مربع المواجهة العسكرية المباشرة لكسر طوق التهديد الشامل؟






