من «أرفد» إلى «ماكنزي» «القصة هي ذاتها»
حجم الخط
لن تكون دراسة «ماكنزي» الاستشاري الأميركي الرائد في مجال إعداد الخطط المستقبلية لا الدراسة الأولى، ولا الدراسة الأخيرة التي توضع من أجل دعم الاقتصاد اللبناني وتصويب مساراته، وصولاً إلى إرساء اقتصاد مستدام النمو، اقتصاد يوفّر الحماية الاجتماعية للناس ويحقق الرخاء الاقتصادي.
منذ ستينيات القرن الماضي عرف لبنان أكثر من دراسة محلية ودولية لبناء صرح اقتصادي صلب ومتين، وكان من أبرز هذه الدراسات تلك الدراسة التي وضعتها بعثة «أرفد» في عام 1961 بناءً على طلب من الرئيس الراحل فؤاد شهاب، والتي شملت الخطة الإنمائية الوحيدة التي عرفها لبنان، وهي الخطة التي ركزت على دعم القطاعات الانتاجية (الزراعة والصناعة) ومحاربة الفقر وتقوية التعليم الرسمي، واللامركزية الإدارية وتحقيق العدالة الاجتماعية سعياً لعمل اللبنانيين تحت لواء الوطن، لا الطوائف.
بين خطة بعثة «أرفد» التي بقيت حبراً على ورق وبين خطة «ماكنزي» مسافة زمنية بعيدة (1961 - 2018)، لكن من حيث المضمون، ومن حيث الأهداف تبدو المسافة قريبة للغاية حتى إن الباحث في الوضع الاقتصادي اللبناني قد يخال ان الدراستين وضعتا في الزمن ذاته، مع بعض الفوارق البسيطة، إذ ان خطة «أرفد» قامت على ما كان متوافراً زمنها.
«أرفد» دعت إلى اعتماد الاقتصاد الإنتاجي والابتعاد عن الاقتصاد الريعي، ودعت إلى الإنماء المتوازن باعتماد اللامركزية الإدارية، ودعت إلى إنشاء معهد التدريب على الإنماء ونشر ثقافة التنمية وتصحيح وضع قطاع الكهرباء، وتعميم المناطق الصناعية في الأرياف، وتوزيع خدمات التعليم والخدمات الصحية وإنشاء زراعات وصناعات جديدة، ودعم المشاريع السياحية..
كل ما تقدّم ذكره أكدت عليه الخطوط العربية لخطة «ماكنزي» في نسختها المستحدثة، بمعنى أوضح ان أزمة الاقتصاد اللبناني لا تكمن في التوصيف، إنما هي تحتاج إلى إرادة التنفيذ من خلال «طاقم طبي» نظيف اليد، ذي خبرة وضمير.
نعم صحيح اننا بحاجة إلى خطة للانقاذ الاقتصادي، لكننا بحاجة أولاً إلى الفريق الملائم لتنفيذ هذه الخطة، فأساس المشكلة، وكما وصفتها دراسة بعثة «أرفد» «هي عقلية النخب الحاكمة والمتمولة والمتمسكة فقط بالمبادرات والمنافع الفردية المعتمدة بشكل رئيسي على البلدان الأجنبية وشركاتها ومؤسساتها في قراراتها وخياراتها».
السؤال المطروح اليوم لدى كل اللبنانيين هل نحظى في هذه اللحظة التاريخية والمفصلية «بنخبة حاكمة» على غرار ما دعت إليه بعثة «أرفد» لبلوغ شاطئ النجاة، أم أن ما كان في زمن «أرفد» هو حلم مستدام منذ ستينيات القرن الماضي ولتاريخه؟
الإجابة عن هذا السؤال لا بدّ أن تأتي في وقت قريب وعندها سنعرف وندرك أصل المشكلة؟






