منذ سنة، ألغيت التلفزة المحلية في منزلي مبقيا على تلفزيون لبنان! فنحن لا نحتاج اليوم إلى خنادق إعلامية فئوية عيلية مرتهنة بل إلى أناس يتحلّون بسعة العلم وسلامة الذوق وبُعد النظر، ويلمّون بثقافة شعبية راقية.
إننا قلّما نماشي في خنادقنا التلفازية الفن الرفيع وقلّما نراعي الذوق السليم ونتقيّد بقاعدة التخصص. نترك أمورنا فوضى تتولاها أيدٍ لم تتعوّد النظام الدقيق وتسيّرها أفكار لم تتقوَ بأنوار العلوم ولم تستفد من تجارب الحياة. وحين نحاول أن نصنع شيئا أو نبدع جديدا، تأتي محاولتنا مرتجلة لأنها بنت الطفرة والعجلة، وشتّان بين ما أنتجته العصور الذهبية في ضوء العلم والفن والمنطق الهادئ الرزين، وما تسلّقه في كهوف الارتجال.
ان بعض الأقنية المحلية، على ما تمتاز به من قوة البث ووضوح الصوت والصورة ونقائهما، تحتاج إلى أغانٍ تتسم بطابع الاتقان الفني، وتفتقر إلى برامج تزخر بالحياة، وتشير إلى الموهبة الشرقية الأصيلة.
الأقنية الغربية تحسن أحيانا الاقتباس، وتجيد الاختيار، وتتعمّد أن يكون ذلك قليلا على قدر المستطاع. أما أقنيتنا فتنهج غير هذا الطريق، وتنسج على غير هذا المنوال، فتملأ الأسماع في معظم أوقات الليل والنهار، بأغنيات سخيفة المعنى، رديئة التلحين، يكثر فيها التكرار الممل والترديد السقيم. وفي كل أسبوع، تطلق مغنية جديدة، وتطلع علينا بملحن ناشئ، ولو كان للفن يد تتحرك، لصفعت الأولى ولطمت الثاني، لأنهما يسيئان إلى قدسية الفن، ويمزّقان الناس، بما يشبه الصفير والشهيق.
ومن العجيب الغريب، ان أكثر المتطفلين على الفن، يحاولون تقليد عمالقة كأم كلثوم أو عبد الوهاب، ما يقتل ملكة الابتكار، ويقضي على موهبة الإبداع. فأين الوزارات الراقدة لا تحول دون هذه الخزعبلات التي استفحل أمرها كما السياسة الجوفاء، ولا تشجع المغنين والملحنين على الخلق والاستنباط، وتفهّمهم ان الفن الشرقي، بحر يزخر بأروع الألحان وأبدع النغمات، فليغرفوا منه ما يلائم إحساساتنا، ويوقظ مشاعرنا، فقد كفانا ما تحمّلناه ونتحمّله من سخف أولئك الذين يظنون ان الفن الحقيقي كله، كامن في ذلك المزيج الرخيص من الأنغام المتنافرة المتغايرة، التي تتبرأ منها الموسيقى الشرقية والموسيقى الغربية معا، لأنها لا تمتّ إلى الاثنتين بسبب فني، ولا ترتبط بهما بصلة من صلات الإيقاع الصادق والألحان المنبثقة من الإحساس الإنساني المرهف.
ان للموسيقى الشرقية الحقة، طابعا تستسيغه أذواقنا، وترتاح إليه أفئدتنا. ولهذا، يصغي كثير منا، إلى أقنية البلاد اليونانية أو التركية، من النغمات المطربة، والمقطوعات الطافحة بالرقة والعذوبة، فما أحرانا أن نقبل على تراثنا الموسيقي، فنعمل لصقله وتحسينه، إذا وجدنا فيه، ما يستدعي الصقل والتحسين، لا أن نهمل هذا التراث، ونستعيض منه بحثالات من ألحان يعوزها التناسق، وينقصها الانسجام والحلاوة. وحجتنا في ذلك، انها ألحان جديدة، وأننا في عصر يتطلب الجدّة، والتحرر من ربقة الماضي.
لا أعني بذلك تمسّكنا بكل ما هو قديم، ولكنني اربأ بأبنائنا، أن يعرضوا عن القديم الجميل، ليتعلقوا بأذيال الجديد القبيح ولو بصوت كائن «جميل»، ففي الموسيقى الغربية روائع فنية ينبغي ألا نسطو عليها، ولا أن نشوّه معالمها بالتحوير والتغيير والاقتباس الزري، كما فعل فريق من مشاهير المغنيين والعازفين العرب. ومن شاء أن يجدّد ويبدع، فان مجال التجديد والإبداع رحب في عالمنا الشرقي، الذي ألهم نخبة من أعاظم شعراء الغرب ومتفننيه، قطعا خالدة خلود الأبد!
ثمة ممثلون هزليون قد يصلحان لإثارة ضحك المتفرجين على الشاشة الصغيرة، ولكنهم لا يصلحون بالضرورة لإدخال لذة الطرب، إلى نفوس الناس المتسمّرين أمامها. ولست أدري الحكمة من بث أغنية بصوت أجش ونبرات خشنة جافة كما لدى معظم السياسيين، وهي لا تهز قلبا، ولا تدغدغ عاطفة، ولا تحدث طربا ولا بهجة خصوصا في هذه الازمنة الرديئة!
ان التواشيح والأدوار المملوءة بالوصف الصادق، والنغم البسيط الجذاب، لهي افضل علاج لأزماتنا النفسية المتفاقمة. وقد خلّفها رهط من مشاهير الملحنين لتترجم ما تفيض به القلوب من نزعات، وما يجيش في الصدور من خلجات، فلم يلجأون إلى ما يغاير قواعد الأصالة والذوق، البعيد عن مكنونات العاطفة وآفاق الوحي والإلهام؟!!
أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه