بيروت - لبنان

اخر الأخبار

5 أيار 2026 12:00ص اللغة العربية بين التعصّب والفوضى!

حجم الخط
لم يستطع العثمانيون وسواهم أن ينزعوا ملكة لغة الضاد من أممها مع كونهم ظلوا ردحا من الزمن متحكّمين في رقاب أبنائها بل كادت هي تسطو على تركيتهم وتستعربهم.
اللغة العربية التي نفتخر بها ويفتخر بها أخوتنا في المهجر وأندادهم من الأجانب الذين تتلمذوا في الجامعات الغربية على أيدينا، ما زال الكثيرون يحافظون عليها في الغرب والشرق فيؤلفون ويطبعون بها كثيرا من المجلات والجرائد والكتب، ما لمسته في تجوالي الحالي وقبله في بلاد العم سام وصولا إلى كندا والمكسيك.
اللغة العربية، ترجم إليها الانجيل من اليونانية والتوراة من اللغة العبرية كما كتب بها القرآن الكريم، فأصبحت اللغة التي يستعملها العرب المختلفو الأديان في إقامة شعائر الدين كما يتفاهمون بها في أمور دنياهم. وهي التي أصبح كثير من أممها على تمام الاستعداد لإدماج ما صلح من مدنية الغرب في ما ورثوه عن الأجداد من عادات كريمة وأحساب مؤثلة شريفة. وهي تلك اللغة التي تظهر الدول الأوروبية - ومنها دولة الڤاتيكان أخيرا - ذات النفوذ على بعض الأمم المتفاهمة بها الرغبة في تعميمها وترقيتها إذ توافق على إنشاء المدارس والمعاهد التي تدرسها. وقد زارني أخيرا في جبيل طلاب لي قدامى من جامعة نانسي الفرنسية، وألقوا أمامي خطبا تقريظية طريفة لي ولوطن الأرز، فأعجبت بها وأطمأننت مرة جديدة إلى تألّق لغتنا وطواعيتها ودورها وخصوصا في مستقبل الأجيال الصاعدة (فعلا!) بشرط أن تكون الأمم العربية متضامة متضافرة عزيزة الجانب مسموعة الكلمة متمتعة بين الشعوب بحرية شريفة عادلة كاملة تتجنّب تطرفين محدّقين هما: التعصب على اختلافه باسم الدين، والفوضى باسم مواكبة تقنيات العصر وما إليها من ابتكارات من صميم الواقع أو من نسج الخيال!
ولكن، ما الحيلة، والتلفاز وما إليه من وسائل «التواصل»، يغترف من ركن إليهما في تواصل هو الادمان بعينه، من الثقافة وهما، ويشرب من التقليد سمّا أو بلادة؟ نرى معظم المتسمّرين أمام الشاشات التي يتخندق وراءها حصرا أصحابها، يلتهمون ثمار اللغة والفكر والسياسات، بلبابها الفجّة وقشورها الصلدة، فيحسّ المشاهدون بتخمة مؤلمة تمزّق أحشائهم وتقضي على راحتهم المنشودة وتسليتهم المفيدة؟ أين القيّمون على العقل اللبناني يا ترى حيال أمثال هذه الحالات الشاذة؟

أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه