«- إسمعلك هالسمعة يا حاج!
قالت والدتي لجارنا الحاج حسين، تشكوني له حين أعلنت لها عن قراري ترك القرية والرحيل إلى مدينة بيروت، وأضافت:
- عز الله منعم عليه. معلم مدرسة. بيقبض معاش وبيعلم بضيعتو. بدل ما يعمرله غرفتين ويتزوج، قال بدو ينزل عبيروت. وشو بدو يشتغل؟ ممثل!!
- الله بس يغضب عالنملة بيركبلها جوانح. بتطير عن ربعها وعن أهلها بياكلها الطير.. هذا غضب. إغسلي إيديك منه (أجابها جارنا الحاج)».
كنت أعتبر الكتابة مكابدة شاقة، تحتاج إلى متابعة يومية، وإلى منهج وفذلكة ودربة وسيولة حبر، لتعلم سهولة الكتابة، وهي عندي بشروطها التي ذكرت حتى اليوم. فالكتابة قاطرة كانت أم مقطورة بصاحبها، إنما هي من صناعة الملوك. إحتاجوا إليها في الدواوين والسجلات، وصارت لها سجلات ومنتديات ومدارس وجامعات وأكاديميات. وصار الكاتب يمين السلطان، والوزير على يساره. وما ظننت يوما أن الكتابة يمكن أن تكون على عرش في يوم من الأيام، حتى رأيتها بين يدي الممثل القدير، «رفيق علي أحمد. على خشبة الحياة. دار نوفل - بيروت 2026. (360 ص.) تقريبا».
كتاب تراكمت فوق صفحاته خشبات المعذبين في الأرض، وخيباتهم. نهض بصاحبه وقدمه على حقيقته عاريا من كل زيف. تقوم مشاهده حين تقرع الكلمات دفة القلب. تنهض مشاهد مشاهد، تسيل في زمنها، كأنها قادمة للتو من نبع.
كتاب، بل مؤلف من نوع المرايا، حداثة كثيفة في التأليف وفي السرد، توغل في القدامة، ثم إذ هي تحضر، إنما تحضر عروسا، لا كتابة حديثة عن عرس.
«النسوة والأطفال، يحتلون ثلاثة أرباع الغرفة، والربع الباقي، لحلقة لعب الورق، خالي حسن «غشاش» مع شريكه الذي يتفق معه على إشارات، يدلّ بعضهما بعضا من خلالها، على نوعية الورق الذي بحوزتهما».
يمتلك رفيق علي أحمد، جاذبية الرجل الفرد. لا أبالغ إذا ما قلت: إنه هو هي، وإنها هي هو. ما أخفى عنا وجهه المعروف، ظليل مسرحه. ولا كليل قلمه. يتقدم منا بطلا على الورقة وعلى الخشبة، ولا تمايز ولا تمييز بينهما. كإنما صفحات كتابه هذا، مثل خشبات مسرحه. وأنت ترى الرجل الصلب والمصلوب، ينهض أمام عينيك، تنين عاصفة تصل السماء بالبحر.
«مرّت دقائق عديدة وصوت راشد يصلنا من التواليت. سادت همّهم وضحك بين الطلاب. فالتفت يعقوب الشدراوي إلينا وقال: «قوموا نطلع لبرا. خليه يرجع عالمسرح ما يلاقي حدا بالصالة».
يوفر هذا الكتاب/ السفر علينا زمانا طويلا للتعرّف على رفيق علي أحمد، في مشواره الطويل من عتمة الكهف، إلى عتمة الخشبة. تراه وقد بدا لنا مضاء، مثل قوس سماء بين بر وبحر.
«وكما في كتابة النص، كذلك في الإخراج، سوف يشارك الجميع، بأفكارهم ورؤيتهم. إذ إن الجميع مسرحيون. ولكل منا وجهة نظره».
معجزة أحمد أنه أحيا في كل منا طفولته التي جفّت. وأنه حنا علينا حنو المعلم. قدّم حياته كلها لنا دفعة واحدة. وما ترك شيئا في نفسه ولا في نفسنا، إلّا وكان وشما على ورق، إلّا وكان وشما على جسد.
«كان النص مبنيا على مواضيع ومحطات من الموروث الثقافي العربي. تجمعهما فكرة إلتقاء القوافل في سوق عكاظ. وتذكر ألف حكاية وحكاية من أحداث وشخصيات ثقافية عربية، كالخنساء وديك الجن الحمصي وإبن عباد في الأندلس، والكدائين المتسولين، وشهرزاد وشهريار في ألف ليلة وليلة..».
صفحاته في الكتاب، كما خشباته على المسرح، إنما هي واحدة. صنع رفيق علي أحمد لأول مرة، وحدة جديدة: آخى بين الورقة والخشبة: جعلهما وجه أحمد. فكتابه كما مسرحه مرآة ذاته. وأعذب الحضور لنا: أن نشاهد وأن نقرأ.
«بعد عام 1982 تحوّل الصراع ما بين «شرقية وغربية» ويمين ويسار، إلى قتال وصراع متعدد الاتجاهات. قتال بين «حركة أمل» والمنظمات الفلسطينية في المخيمات من جهة، ثم بين أبناء الطائفة الواحدة».
ما عرف الأدب لونا أصدق من هذا اللون، في تقديم صاحبه: سيرة وسيرورة، وكاتبا يقرأ على نفسه، حين يكون القارئ يقرأ معه أيضا.
«بعد عروض الجنوب، لبّيت دعوة للمشاركة في أيام قرطاج المسرحية في تونس. وحزت جائزة «أفضل ممثل» في تلك الدورة عن دوري في مسرحية «الجرس»، والمفارقة كانت، أني اضطررت للسفر على نفقتي الخاصة. رافقني ناجي صوراني متطوعا».
رفيق علي أحمد، خبير الكتابة البيضاء، التي تدخل في شعاب النفس، وسرعان ما يجد القارئ نفسه، يحضر مسرحا أم يتجول على الورق، كمسرح.
«أما شارل الذي كانت ملامحه تشي بالدهشة والإعجاب فقال:
- أوافقهما الرأي. هذا نص طوع بذكاء أحداث الحروب الصليبية. ولفتني إستعمالك هذه الحروب بأمانة من دون تحوير أو تزوير لتغليب وجهة نظر على أخرى».
وحّد رفيق علي أحمد بين القارئ والمشاهد. أودعنا تعبه خشبة حياة، قبل أن تذهب الخشبة بنا إلى اللحد. مسرح لنا القول، وقال وحده مسرحا بكامله. قام مسرحا وحده أمام جمهوره، قومة فارس بذل و فداء. تسقطنا أخباره، كما البلح من جذع نخلة. وها بين يدنا الكتاب - التحفة: سلالا من البلح الأحمر والبلح الأسود والبلح الأشقر.
«أرغمت على إيقاف عروض «زواريب» بموسمها الثاني في مسرح المدينة، رغم الإقبال الجماهيري الكبير، لأوفي بوعدي لمنصور الرحباني. وهكذا بدأت تمارين «آخر أيام سقراط» لمنصور».
ما أعذب طعم البلح من يدي رفيق علي أحمد: تجربة ومقاساة وحياة. ويدان تقولان ما لم يقله فم. تجاريب لها عذوبة العلقم، حين نمضغ حروفا لم تر المشهد. نمضي إلى وسن. يغلبنا الموت. يعلمنا كيف نصيح عليه صيحته: أن الموت بين الأهل نعاس.
«مسكينة «أم جبران»، ربما كانت تحب لو أن زوجها «تنيشن» بوسام، ولو من نظام لبناني طائفي».
كتاب رائد، والرائد لا يخذل أهله: القرية والمدينة والمنبت الأول. وسائر الأعمال على خشبة الحياة: الحكواتي وأيام الخيام والممثلون والحلبة والجرس والمفتاح وزواريب وآخر أيام سقراط وحكم الرعيان وجبران وقطع وصل وجرصة. بالإضافة إلى وحشة والراوي - الممثل الذي هو: بكل إعتزاز رفيق علي أحمد.
«المسرح، هذه الخشبة ذات المساحة للمحددة، التي لا تحد، وسعها وسع الكون، تستطيع أن تبني عليها بمخيلتك وبتواطؤ بينك وبين الجمهور مطارح ومناظر وحالات لا يحدّها خيال، جبالا وسهولا وطقوسا، مناخات وأعاصير».
حفيف ناعم على ورق كتابه، وهفيف خيالات على خشب مسرحه وحياته، هو رفيق علي أحمد، ممثلا ضيفا على الكتابة.
تعالوا إذن نر..
تعالوا إذن نقرأ...
«(...) نجد صدى ما في جسده من طراوة في لغة محكية وسلسة إلى درجة الذوبان في أذن المشاهد الذي يتلقى مفرداتها الشعبية وجملها الململمة من زواريب العيش اليومي، لكأنها لغة أديب لا يرتاح أبدا ألا إلى الكتابة بالمحكية...
يختصر رفيق علي أحمد العرض بشخصه، أنه مبتكر فكرته ومصمم مشهديته ولسان لغته ومؤدي شخصياته. ذلك أن العرض يولد موحّدا في مخيلة تتصور النص وردائه السينوغرافي وإيقاع الممثل في آن واحد.
وأي ممثل قدير هذا الحكواتي (نزيه خاطر)».
أستاذ في الجامعة اللبنانية