بيروت - لبنان

اخر الأخبار

11 حزيران 2026 12:00ص مع الصحافة.. حتى الحياة!

حجم الخط
منذ عام ١٩٦٨، ملت إلى الصحافة شبه اليومية، واتجهت شطر الصفحات الثقافية، وكنت من رواد المقاهي وجلساتها، لتقويم كل اعوجاج في الحياة والناس بطريقة نقدية ساخرة. وكانت النكتة لا تفارق كتاباتي حتى في احلك الساعات وما اكثرها. بها أسري عن هموم القراء، وأعبر عن معاناة الطبقات الكادحة والمسحوقة من أبناء الشعب الذين لا يستطيعون ان يصلوا إلى حقوقهم في سهولة، فظل صوتي المدوي، وصدى كلماتي يترجع في الآفاق.
عجنتني الصحافة في سن مبكرة، وصارت همي اليومي الدائم، أتنفسها مع الهواء الذي يدخل رئتي..اكتب وأسهر كثيرا وأنام قليلا، لأمتع قرائي في اليوم الثاني او الثالث بمقال حبرته بدم القلب لا بالمداد.
اتجهت إلى الواقع والتعبير عما يعانيه الشعب من فقر وبؤس وحرمان، والى تهكمي على الأغنياء الموسرين، فلا أبالي احيانا ان استخدم لفظة عامية او نحت المصطلحات، عندما اعرف انها تستطيع ان تؤدي المعنى المطلوب، وتصل إلى لب المشكلة المطروحة.
كتبت بصراحة تامة، وحرية مطلقة، وجرأة نادرة، لا اتقعر ولا أتكلف ولا يختلف كلامي المكتوب عن كلامي الذي أتحدث به امام الناس…لذلك احب القراء أسلوبي وعباراتي البسيطة، لأنه يكاد يكون الكلام نفسه الذي يدور على ألسنتهم في المجالس، والمحلات وفي أثناء تعامل بعضهم مع بعضهم الآخر. فالأدب عندي من الشعب واليه حتى في معظم كتبي الوافرة، والصحافة خادم للشعب، وبوقه وصداه، ولم أحد عن هذا الأسلوب قيد شعرة، لأنه يعكس شخصيته ويعبر عنها اصدق تعبير.
كتبت بالفرنسية والإنكليزية حتى في بلاد الناس. استهلكتني الصحافة اليومية، ولم أجن من ورائها غير المتاعب وانما ايضا راحة الضمير وتفعيلا لبعض كتبي ذات المنحى النظري. وما ارجوه اليوم ان اكون قد تركت بصمات واضحة لوزناتي الشخصية على الحياة الصحافية والحياة على العموم. ولا شك في ان تفاعل مقالاتي هذه وشؤون الحياة والناس، قد طهرني بناره المقدسة، وقد صقلتني الخبرة، وصنعت مني كاتبا محبوبا، يبدو ان له مدرسة خاصة وأسلوب خاص في الكتابة والتعبير بشهادة كبار الأدباء امثال ميخائيل نعيمة وسعيد عقل, وقد جمعت نخبة من طلابي الجامعيين عشرات من شهاداتهم في كتاب عنوانه «جهاد نعمان، بريشتهم»!
بأمثال خبرتي الطويلة هذه، يمكنني ان أقول: هذا هو لبناننا، لبنان العروبة الحضارية، الذي ينادي أبناءه ، فلنصغ إلى نداءاته الدفينة. انه يعاهدهم وهو صادق في عهده، بانه فعلا دهر من الدهر يرقى خلوده إلى ما لا نعلم من الأزمان، ويبقى رغم عبث العابثين، خلودا ، إلى ما لا نعلم من الأيام، ويكفيه زهوا ان له جنودا قد لا تلقى عليهم الأضواء، ولكنهم ،في العمق، دعامة حريته المسؤولة ، بهم وحدهم يليق، وسيظل بهم يليق، وبتاريخهم يليق، وكذلك بصمودهم والمكرمات.

استاذ في المعهد العالي للدكتوراه