ميخائيل ميلشتاين
خلال الأسبوع الماضي، تجسّدت العقيدة الأمنية القومية المحدّثة لإسرائيل، والتي ترتكز على عنصرين أساسيين: الأول هو الاستيلاء على أراضٍ من العدو، حسبما ظهر في إعلان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشأن التقدم نحو السيطرة على 70% من قطاع غزة وعبور نهر الليطاني؛ أمّا العنصر الثاني، فهو «قطع رأس» قيادة العدو بشكل متواصل، الأمر الذي تجسّد في اغتيال اثنين من قادة الجناح العسكري لـ»حماس» في غزة خلال عشرة أيام، فضلاً عن اغتيال مسؤول بارز في منظومة المدفعية التابعة لحزب الله.
ومع ذلك، فإن هذه الخطوات لا تغيّر الواقع، فضلاً عن أنها لا تقرّب من حسم الصراع؛ فحركة «حماس» لا تزال السلطة الفعلية في المنطقة الفلسطينية التي يعيش فيها معظم سكان القطاع، ولا توجد مؤشرات حالياً إلى انهيار جناحها العسكري، أو استعدادها للتخلّي عن سلاحها.
وفي لبنان، تنعكس صورة مشابهة؛ إذ تمكن حزب الله من إعادة بناء نفسه، بعد الضربات غير المسبوقة التي تعرّض لها، بسرعة أكبر مما كانت تقدّر إسرائيل، وهو يدير قتالاً عنيداً، ولا يبدو متأثراً كثيراً بالانتقادات الداخلية في لبنان، أو بردع الحكومة في بيروت. ضرورة تحديد أهداف واضحة وواقعية. تعكس الحروب المستمرة نمطاً متكرراً ومشكلة مزمنة لم يتم فحصها بجدية في إسرائيل، التي تتهرب، منذ السابع من أكتوبر، من تحليل إخفاقات الماضي، وبالتالي تعيد تكرارها، المرة تلو الأُخرى؛ فبعد تحقيق إنجازات عسكرية لافتة في مختلف الساحات، تميل إسرائيل إلى محاولة تكرار تلك الإنجازات من دون تحديد أهداف واضحة، أو واقعية، الأمر الذي يؤدي إلى تعقيدات تتحول إلى حروب استنزاف تُضعف إنجازات الماضي، وتنتج أضراراً أكبر من الفوائد.
وأول تجسيد لذلك كان في آذار/مارس 2025، عندما عادت إسرائيل إلى القتال العنيف في غزة الذي استغرق ستة أشهر، قبل أن تنتهي الحرب – بقرارٍ من الرئيس الأميركي دونالد ترامب – بطريقةٍ لا تختلف جوهرياً عمّا كان يمكن تحقيقه قبل ذلك. إن الإنجاز الوحيد الذي يتباهى به مؤيّدو العودة إلى الحرب هو «السيطرة على الأرض»، الأمر الذي لم يزعزع مكانة «حماس»، فضلاً عن أنه غير مضمون في المدى الطويل لأنه يعتمد أساساً على موافقة الولايات المتحدة.
وفي المقابل، تكبّدت إسرائيل أضراراً كبيرة؛ فإلى جانب عشرات القتلى، تورطت في مشاريع فاشلة ومثيرة للجدل، بينها مشروع GHF ودعم الميليشيات المحلية، كذلك تضررت مكانتها الدولية بصورة كبيرة. التحدي نفسه في إيران ولبنان.
الآن، يتطور تحدٍّ مُشابه في إيران ولبنان؛ ففي البداية، بدت المعركة على الساحتين كأنها نسخة جديدة من حرب الأيام الستة (1967)، لكنها تحولت لاحقاً إلى حرب استنزاف مليئة بعلامات الاستفهام؛ في لبنان، حاولت إسرائيل إعادة تطبيق نموذج عملية «سهام الشمال» الناجحة التي نُفِّذت في أواخر سنة 2024، لكن بعد ثلاثة أشهر، وجدت نفسها غارقةً في المستنقع: تتكبد خسائر في حرب مُحبطة لا تتأثر باحتلال كيلومتر إضافي، أو بتنفيذ عملية اغتيال أُخرى، بينما تقيّد واشنطن حرية عملها فيما يتعلق بالهجمات في شمال نهر الليطاني، وفي الخلفية، يتنامى القلق من أن تنتهي الحرب بشروط أسوأ من تلك التي كانت قائمة في بدايتها، وخصوصاً إذا جرى تقييد حرية العمل ضد حزب الله، التي تمتعت بها إسرائيل بعد عملية «سهام الشمال»، حين كانت تضرب الحزب باستمرار من دون ردّ منه. ما هو الإنجاز الاستراتيجي الحقيقي؟
أمّا فيما يتعلق بإيران، فهناك حاجة إلى نقاش صريح وخالٍ من الشعارات والاعتبارات السياسية بشأن جدوى الحملة الأخيرة، على الرغم من الإنجازات التي حققتها؛ فإخراج المواد المخصّبة ربما يمثل إنجازاً مهماً، لكنه يترافق مع تساؤلٍ عمّا إذا كان في الإمكان تحقيق الهدف نفسه عبر المفاوضات، بما في ذلك الاتفاق النووي لسنة 2015، الذي روّجه الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما وألغاه ترامب لاحقاً.
وماذا سيجري بشأن مصير قضية الصواريخ الباليستية الإيرانية، التي وصفها نتنياهو بأنها تهديد وجودي، بينما لا يبدو كأنه من المؤكد إدراجها في أيّ اتفاق محتمل. وينطبق الأمر نفسه على وكلاء إيران في الشرق الأوسط، فضلاً عن فكرة تغيير النظام في طهران، أو تشجيع ثورة داخلية، التي تبدو أقرب إلى الأوهام. الوجه الآخر للعلاقة بواشنطن.
هناك حقيقة لا يرغب كثيرون في إسرائيل الاعتراف بها، وهي أن حرية العمل غير المسبوقة والتعاون الوثيق مع الولايات المتحدة يعودان أساساً إلى وجود ترامب في البيت الأبيض، لكن لهذا الواقع جانباً آخر؛ فعملياً، أصبح الرئيس الأميركي صاحب القرار النهائي فيما يتعلق بإدارة الحروب الإسرائيلية وإنهائها، الأمر الذي يعزّز صورة اعتماد إسرائيل على واشنطن، كما أن ترامب نفسه معروف بتغيير مواقفه بسرعة، وفعل ذلك أكثر من مرة، بينما لا يوجد ما يضمن أن خلفاءه سيتصرفون بالطريقة نفسها، في وقتٍ تستمر مكانة إسرائيل في التراجع داخل الرأي العام الأميركي. الحرب كاستراتيجيا دائمة.
إن الحرب نفسها، الممزوجة بالأوهام والتطلعات الأيديولوجية، وخصوصاً فيما يتعلق بالسيطرة على الأراضي، أصبحت بمثابة «استراتيجيا» إسرائيلية منذ السابع من أكتوبر، كما أن الإصرار على عدم التحقيق في إخفاقات ذلك اليوم، ورفض الخطاب النقدي، يدفع إسرائيل إلى دوامةٍ مستمرة من الأخطاء التي تُلحق بها أضراراً استراتيجية كبيرة، على الرغم من تفوّقها العسكري وإنجازاتها العملياتية؛ والواقع يثبت أنه لا يمكن «القضاء على العدو نهائياً»، خلافاً للشعارات التي تبرّر حروب الاستنزاف؛ كما أن الاتفاقات السياسية التي يدفع بها ترامب ربما تشمل ضغوطاً للانسحاب من الأراضي التي سيطرت عليها إسرائيل في لبنان وسورية وغزة، سواء رغبت إسرائيل في ذلك، أم لا.
المصدر: يديعوت أحرونوت
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية