بيروت - لبنان

صحافة أجنبية

23 أيار 2026 12:10ص من إعلام العدو: حكومة نتنياهو لا تهتم بتزايد هجرة العقول من إسرائيل

حجم الخط
رفكا كارمي
 نداف دواني

تتفاقم في الأعوام الأخيرة ظاهرة هجرة العقول من إسرائيل، وتزداد كثيراً؛ لقد عزّزت التغيّرات والتحديات التي تواجهها الدولة في الأعوام الأخيرة شعور كثيرين بعدم اليقين حيال المستقبل؛ وبالنسبة إلى كثيرين من الإسرائيليين، وبينهم العلماء والأطباء والباحثون، أصبحت مسألة بناء مستقبلهم المهني والشخصي في إسرائيل أكثر تعقيداً وإرباكاً من أيّ وقت مضى.
 على مدى عقود، افتخرت إسرائيل، وبحق، بكونها «أمّة الشركات الناشئة»، وهي دولة بُنيت وحُفظت وتعززت بفضل أبنائها في المقام الأول: علماء طوّروا تقنيات رائدة، وأطباء ساهموا في تطوير علاجات طبية جديدة وحافظوا على صحة المجتمع، وباحثون وأكاديميون عزّزوا الصمود الفكري للدولة؛ وفي دولة صغيرة، مثل إسرائيل، ذات موارد محدودة وتحديات أمنية مستمرة، يُعَد رأس المال البشري الثروة الوطنية الأهم. 
لذلك، تُعتبر قضية هجرة العقول في إسرائيل تحدياً وطنياً استراتيجياً من الدرجة الأولى؛ ففي كل عام، يغادر المئات من الباحثين والأطباء ورواد الأعمال الأكثر تميّزاً في إسرائيل من أجل إتمام دراسات ما بعد الدكتوراه، أو الحصول على تدريبات متقدمة، أو اغتنام فرص مهنية في الخارج. وهذه الخبرة العالمية ليست هي المشكلة، بل بالعكس تماماً؛ فالانكشاف على المختبرات والمستشفيات والصناعات الرائدة عالمياً يعزز التميّز الإسرائيلي ويضمن مكانته الدولية، لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعدم عودة عدد كبير جداً من هؤلاء الأشخاص الاستثنائيين إلى إسرائيل.
 فعندما تخسر إسرائيل عالِماً، أو طبيباً، فهي لا تخسر فقط ضريبة الدخل لعائلة واحدة، بل تخسر أبحاثاً متقدمة، وبراءات اختراع مستقبلية، واختراقات طبية، وتأسيس شركات ناشئة، وقيادة أكاديمية، وابتكاراً في مجالات الأمن والتكنولوجيا.
 أظهرت دراسة أُجريَت لمصلحة منظمة «ScienceAbord» أن كلّ عالِم إضافي يعود إلى إسرائيل خلال مسيرته المهنية يحقق قيمة وطنية هائلة، في حين أن كلّ عالِم لا يعود يمثل خسارة اقتصادية واستراتيجية طويلة الأمد. ويقدّر أحد التحليلات أن الخسارة الاقتصادية المباشرة تصل إلى نحو 20 مليون شيكل على مدى الحياة لكلّ عالِم يبقى في الخارج، لكن الثمن الحقيقي أكبر من ذلك كثيراً؛ فهو اجتماعي وتعليمي وجيوسياسي أيضاً. 
لقد استند التفوق النوعي لإسرائيل في مجالات العلوم والطب والتكنولوجيا والأمن دائماً إلى منظومة دقيقة من التميز. فدولة يقلّ عدد سكانها عن عشرة ملايين نسمة، لا تستطيع المنافسة بالحجم، بل بالإبداع والابتكار والذكاء. وإذا تآكل هذا الذكاء بالتدريج، مع انتقال الكفاءات إلى دول أُخرى، فيمكن أن تضعف الأسس التي تقوم عليها قوة إسرائيل الاقتصادية، ونظامها الصحي، وأمنها القومي، وتماسُكها الاجتماعي.
 يشكل العلماء والأطباء الإسرائيليون في الخارج أحد أكبر مصادر القوة الاستراتيجية لإسرائيل؛ وهُم في معظمهم، لا يغادرون لأنهم يريدون التخلّي عن الدولة، بل لأنهم يسعون للتطور المهني والتخصص والتميّز، ثم العودة للإسهام في المجتمع الإسرائيلي. وتتمثل مهمتنا في ضمان بقاء إسرائيل المكان الذي تستطيع فيه هذه الكفاءات بناء مستقبلها.
 وهذا يعني إنشاء مسارات حقيقية للعودة: فرص أكاديمية تنافسية، وتحسين الاندماج في الصناعة، وإعادة دمج الأطباء في النظام الصحي، وبناء شبكات مهنية داعمة، واعتماد سياسة وطنية تعتبر استعادة الكفاءات هدفاً استراتيجياً. وهذا الأمر أكبر كثيراً من مجرد قضية اقتصادية؛ فإعادة العقول إلى الوطن تعزّز المجتمع الإسرائيلي من خلال تقوية الطبقة الوسطى، وتوسيع الفرص في المناطق الطرفية، وتقليص الفجوات الاجتماعية، وضمان أن ينشأ الجيل المقبل في إسرائيل داخل دولة تواصل ريادتها العالمية في مجالات العلوم والطب والابتكار.
 ... إن دولة إسرائيل لا تستطيع أن تسمح لنفسها بخسارة أفضل عقولها، لا من الناحية الأخلاقية، ولا من الناحية الاستراتيجية، وبالتأكيد ليس من الناحية الاقتصادية. لقد أُقيمت الدولة على أيدي أشخاص أتوا إليها ليبنوا أنفسهم ويساهموا في بنائها، ومهمة جيلنا هي ضمان أن يواصل علماء إسرائيل وأطباؤها وباحثوها القيام بذلك.
 إن مستقبل إسرائيل لن يُضمَن من خلال الموارد الطبيعية، بل من خلال رأس مالها البشري؛ لذلك، فإن إعادة العلماء ليست مجرد مسألة وقف لهجرة العقول، بل هي مسألة ضمان مستقبل دولة إسرائيل نفسها.

المصدر: قناة N12
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية