يوآف ليمور
إن وقف الحملة على إيران، موقتاً، مدة أسبوعين، يترك إسرائيل في وضع استراتيجي إشكالي: فهي لم تحقق أياً من أهداف الحرب التي وضعتها لنفسها؛ وهي متورطة في حرب في لبنان، ومكانتها الدولية في مستوى أدنى غير مسبوق بسبب اتهامات بأنها جرّت الولايات المتحدة إلى الحرب ضد إيران. يُضاف إلى ذلك الضرر المستمر بالاقتصاد الإسرائيلي، وبشكل خاص بالجبهة الداخلية وأزمة الثقة الحادة بين الحكومة والجمهور، وخصوصاً في الشمال.
صحيح أن إسرائيل كانت على عِلم بوقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه، لكنها لم تُمنح أي قدرة على التأثير فيه. لقد فُرض عليها، واضطرت إلى دعمه في بيان ليلي (بالإنكليزية) صادر عن رئيس الوزراء نتنياهو. وهناك شك في أن إسرائيل تؤيد فعلاً وقف إطلاق النار، حسبما اضطرت إلى التصريح؛ فالبنود العشرة الواردة في وثيقة المبادئ الإيرانية للمفاوضات لا تلبّي مصالحها، ولو جزئياً، لا في الملف النووي، ولا في الصواريخ، ولا في تمويل الوكلاء، ولا في تحييد النفوذ الإقليمي السلبي لإيران في الخليج. • لقد حقق الجيش الإسرائيلي معظم الأهداف العملياتية التي حددها لنفسه خلال العملية، لكن نتنياهو لم ينجح في ترجمتها إلى نتيجة استراتيجية شاملة. وعلى غرار ما حدث في حرب غزة والحرب السابقة في لبنان، وجدت إسرائيل نفسها عالقة في حملة لا تنتهي، حيث تبدو الأهداف التي وضعتها كأنها طموحة أكثر من اللازم، أو غير قابلة للتحقيق. لم ينهَر النظام في إيران كما زُعم؛ ولم تتم السيطرة على 440 كلغ من اليورانيوم المخصّب بدرجة عالية؛ ولم يُعطَّل نظام الصواريخ إلّا جزئياً؛ واستمر دعم الوكلاء، لا بل تحوّل إلى حملة إقليمية ناشطة، بمشاركة حزب الله والحوثيين والميليشيات الشيعية في العراق.
يبدو كأن إسرائيل أخطأت هذه المرة أيضاً في المبالغة بتقدير قدراتها، وفي التقليل من تقدير إيران. كان التحقيق الذي نشرته «النيويورك تايمز» أمس بشأن الطريقة التي قاد بها نتنياهو الولايات المتحدة إلى الحرب غنياً بالتفاصيل والعمق. يتضح أن إسرائيل نشرت وعوداً كاذبة بانهيارٍ سريع للنظام، بمساعدة متظاهرين سيعودون إلى الشوارع وميليشيات كردية ستتوغل داخل إيران، وادّعت أن إيران لن تنجح في إغلاق مضيق هرمز، وأنها ستُلحق ضرراً محدوداً فقط بالمصالح الأميركية في الخليج؛ حينها، عارض كثيرون في قمة الإدارة في واشنطن هذه التقديرات، بينهم وزير الخارجية ورئيس الأركان ورئيس الـCIA)، معتبرين أن إسرائيل تبالغ، لكن ترامب اقتنع بالمضيّ قدماً.
هذا التحقيق، إلى جانب تقارير سابقة، ربما يؤدي إلى مزيد من تدهور مكانة إسرائيل في الولايات المتحدة، التي كانت أصلاً في أدنى مستوياتها؛ كذلك سيجعل من الصعب على إسرائيل تجنيد واشنطن مرة أُخرى للعمل، إذا دعت الحاجة بعد أسبوعين، أو في المستقبل؛ أمّا ردات فعل البورصات العالمية وأسعار النفط، فتعكس مزاجاً معادياً للحرب، ومن المرجح أن أي محاولة لتغيير المسار مرةً أُخرى ستواجه معارضة أشد من السابق. مسألة دول الخليج
على الرغم من أن إيران تدّعي أنها حققت «نصراً إلهياً» في هذه الحملة، فإنها خرجت منها منهكة، ضعيفة، وأفقر من ذي قبل. ومع ذلك، أثبت النظام — القديم الجديد — قدرته على البقاء، مستغلاً بشكل لافت نقطة الضعف الأساسية لدى خصومه — مضيق هرمز والنفط — ومؤكداً مرةً أُخرى أن الشعب الإيراني يأتي في مرتبة متدنية جداً ضمن أولوياته.
سيكون في إمكانه إصلاح معظم الأضرار التي لحقت به في المستقبل، وبشكل خاص إذا رُفعت عنه بعض العقوبات، وإذا سُمح له بفرض ضرائب على ناقلات النفط التي تمر عبر المضيق. سيكون مثل هذه الخطوة كارثياً أيضاً بالنسبة إلى جيران إيران في الخليج، الذين يجدون أنفسهم في نهاية الحملة أضعف وأكثر قلقاً من ذي قبل، في مواجهة نظام إيراني أكثر راديكاليةً وتعطشاً للانتقام. هؤلاء أيضاً، مثل الجمهور الأميركي، ربما يختارون الآن توجيه غضبهم نحو إسرائيل، باعتبارها عرّضت مصالحهم الاستراتيجية للخطر.
يبدو كأن ترامب كان يبحث عن أي طريقة لإنهاء الحملة من دون أن يُضطر إلى تنفيذ تهديداته بإعادة إيران إلى «العصر الحجري». لقد خشيَ من تورُّط إضافي يمكن أن تكون تكلفته أرواحَ جنودٍ أميركيين، ومن غير المؤكد أنه سيحقق أهدافه؛ الفتح الجزئي للمضيق سمح له بإعلان النصر، ويمكن الاستنتاج من تصريحاته وتغريداته بعد وقف إطلاق النار أنه يعتقد بإمكان التوصل إلى اتفاق الآن. ويؤمَل بأن يُبدي ترامب اهتماماً أكبر بتفاصيل هذا الاتفاق الذي يُبلوَر، مقارنةً بالاهتمام الذي لم يولِه لخطط الحرب. اتخاذ قرار بشأن المرحلة المقبلة
الآن، على إسرائيل أن تقرر مسارها في لبنان؛ فهي موجودة هناك بقوات برية كبيرة، لكن الهدف الذي وضعته لنفسها، نزع سلاح حزب الله، يبدو غير قابل للتحقيق؛ صحيح أن التنظيم تلقّى ضربات عسكرية قاسية، لكنه صمد وتمكّن (مرة أُخرى) من إنهاك الشمال، وبفضل وقف إطلاق النار في إيران، يشعر الآن بقوة استراتيجية أكبر. ويمكن استنتاج ذلك أيضاً من بيانه أمس الذي يفيد بأنه لن يوافق على اتفاق مشابه لذلك الذي وُقّع في نهاية الجولة السابقة في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، والذي منح إسرائيل حرية عمل عسكرية كاملة في لبنان، بما في ذلك الوجود البري في الجنوب.
كما أن حزب الله امتنع تقريباً أمس من إطلاق النار نحو إسرائيل، كأنه يشير إلى أن الحرب تُدار من طرف واحد، وهو الطرف الذي سيتحمل مسؤولية نتائجها. على إسرائيل أن تغلق هذه المسألة سريعاً مع واشنطن، وكذلك مع فرنسا، وبشكل غير مباشر مع الحكومة اللبنانية، التي لا شك في أنها قلقة جداً من التطورات الأخيرة. والأهم أن على الحكومة أن تستفيق من سباتها العميق فيما يتعلق بمستوطنات وسكان الشمال، الذين سيجدون أنفسهم، اعتباراً من هذا الصباح، إزاء وضع تعود فيه بقية أجزاء الدولة إلى الحياة الطبيعية، بينما هم يواصلون العيش في حالة طوارئ، من دون أن تتحقق الوعود التي قُدمت لهم، في الأمن والمال والبنية التحتية، ولو جزئياً.
ويحق أيضاً للجمهور الواسع أن يتساءل، عند خروجه من الملاجئ والغرف المحصّنة، عمّا إذا كان وضعه الأمني تحسّن نتيجة هذه الحرب. إذا وضعنا جانباً الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والأملاك والاقتصاد، فإن الإجابة عن المدى القصير هي نعم، لكن على المدَيين المتوسط والطويل، فهي لا. مَن كان يحلم فعلاً بالتسوق في طهران (وبالحمص في بيروت) مدعوٌّ للاستيقاظ: صحيح أن الهدوء عاد، وستعود كل الأنظمة إلى عملها المعتاد اعتباراً من هذا الصباح، لكن إسرائيل تستيقظ على واقع معقد، ويدها مقيدة أكثر من ذي قبل.
المصدر: يسرائيل هيوم
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية