من إعلام العدو: إتفاق الإطار خطوة إيجابية .. ولكن تنفيذه دونه تحديات وعقبات
أورنا مزراحي
وقّعت إسرائيل ولبنان في 26 حزيران/يونيو اتفاق إطارٍ في ختام الجولة الخامسة من المحادثات المباشرة بينهما، برعاية أميركية. ويُعدّ توقيع هذا الاتفاق تطوراً مهماً في العلاقات بين الدولتين، اللتين أعلنتا هدفهما المشترك المتمثل في تحقيق السلام والأمن وإنهاء حالة الحرب، والعمل بحزم، عبر مفاوضات مباشرة، للتوصل إلى تسوية شاملة بينهما، كدولتين سياديتين. ويطرح الاتفاق رؤية مشتركة للتوصل إلى اتفاق سلام مستقبلي، ويرسم خريطة طريق لتحقيق أهداف الطرفين، عبر عملية متبادلة، وبالتدريج، بحيث يجد كلّ طرف فيه استجابة لمطالبه.
وفقاً للاتفاق، يحقق لبنان عدداً من المكاسب، أبرزها: الاعتراف به كدولة ذات سيادة، مع ضمان الحفاظ على وحدة أراضيه، ويُفهم من هذا إتمام الانسحاب الإسرائيلي الكامل في نهاية العملية،والاعتراف باحتكار الدولة للسلاح، بحيث تُحصَر الأسلحة في يد الجيش اللبناني لضمان بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها، مع الالتزام بتفكيك جميع الميليشيات المسلحة، وفي مقدمتها حزب الله؛ وتأكيد مبدأ عدم تدخُّل أي أطراف خارجية في الشؤون اللبنانية، في إشارةٍ ضمنية إلى إيران من دون ذكرها بالاسم؛ التزام إسرائيل بعدم القيام بأي عمل عسكري ضد لبنان، بعد نزع سلاح حزب الله، إلى جانب إعلانها أن ليس لديها مطامع إقليمية في الأراضي اللبنانية؛ تعهُّد أميركي بالعمل على تقديم مساعدات اقتصادية لإعادة إعمار لبنان وعودة النازحين إلى منازلهم، مع بذل الجهود لحشد دعم دولي لهذا الغرض.
أمّا إسرائيل فتحقق، بحسب الاتفاق، المكاسب التالية: تلبية مطلبها الأساسي المتمثل في نزع سلاح حزب الله، عبر الاتفاق على آليةٍ عملية لتحقيق هذا الهدف تحت إشراف أميركي صارم؛ الإقرار بأن انسحابها من لبنان سيكون بالتدريج، وسيبدأ في مناطق «تجريبية»، وسيكون مشروطاً بتحقيق الأهداف المتعلقة بحزب الله؛ التوصل إلى تفاهُم ضمني يسمح للجيش الإسرائيلي بمواصلة الانتشار في المنطقة العازلة (حتى الخط الأصفر) لضمان أمن سكان شمال إسرائيل؛الاعتراف بحق قوات الجيش الإسرائيلي في الدفاع عن نفسها، بما يتيح لها التحرك ضد أي تهديدات تستهدفها؛ التزام كلٍّ من لبنان والولايات المتحدة بالعمل على منع وصول الأموال إلى حزب الله، بما في ذلك الأموال الآتية من جهات خارجية، والمخصصة لإعادة الإعمار.
وتنصّ الآلية الواردة في الاتفاق بشأن نزع سلاح حزب الله وانسحاب الجيش الإسرائيلي على الترتيب التالي: ينسحب الجيش الإسرائيلي بالتدريج من المناطق التي ينتهى من إزالة البنية التحتية التابعة لحزب الله فيها؛ بعد ذلك، ينتشر الجيش اللبناني في تلك المناطق تحت إشراف أميركي، ويتولى المسؤولية الأمنية الكاملة فيها، بما في ذلك منع حزب الله من إعادة ترسيخ وجوده العسكري.
وفي هذا الإطار، تم تحديد منطقتين محدودتين في منطقة النبطية لتنفيذ المرحلة التجريبية لأولى، وعُرضتا على الخريطة خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 27 حزيران/ يونيو.
والاتفاق مُرفق أيضاً بملحق عسكري يتعلق بآليات التنفيذ، لكن مضمونه بقيَ سرياً. ووفقاً لِما نشرته وسائل الإعلام، فإنه يتضمن تفاصيل المراحل والشروط الخاصة بانسحاب الجيش الإسرائيلي بالتدريج، بالتنسيق الكامل والمستمر مع الجيش اللبناني، وبمساعدة ووساطة وإشراف من الأميركيين. وفضلاً عن لجنة الاتصال والتنسيق العسكري بين الجانبين، ستستمر أيضاً المفاوضات السياسية، بوساطة الولايات المتحدة.
نقاط ضُعف الاتفاق
على الرغم من المزايا التي يوفرها الاتفاق لكلٍّ من لبنان وإسرائيل – اللذين تجمعهما مصلحة مشتركة في نزع سلاح حزب الله وتحرير لبنان من النفوذ الإيراني – فإن الطريق إلى تنفيذ الاتفاق تبدو كأنها طويلة ومليئة بالعقبات. وفي ظل التحديات المعقدة، لا يوجد أي ضمان بإمكان تطبيقه، إذ تكتنف عملية التنفيذ مجموعة من التهديدات الرئيسية، من أبرزها:
معارضة حزب الله: يرفض حزب الله الامتثال لمقتضيات الاتفاق، أو التخلّي عن سلاحه واستقلاليته وصِلاته بإيران، ملوّحاً بشكل مباشر، أو غير مباشر، بإمكان اندلاع حرب أهلية.
وعلى غرار ما حدث في السابق، من المحتمل أن يحاول الحزب استهداف شخصيات قيادية لبنانية، أو المسؤولين الذين يقودون المفاوضات مع إسرائيل. وعلى الرغم من أن الحزب أصبح اليوم أضعف مما كان عليه في السابق، فإنه لا يزال يمتلك القدرة على عرقلة تنفيذ الاتفاق، مستخدماً جميع إمكاناته لضمان بقائه والحفاظ على مصالحه، مع مواصلة مواجهته العسكرية ضد قوات الجيش الإسرائيلي الموجودة داخل الأراضي اللبنانية.
ضُعف الجيش اللبناني والدولة اللبنانية: يعاني الجيش اللبناني جرّاء تفوُّق حزب الله عليه، حتى في ظل حالة الضعف الحالية التي يمرّ بها الحزب، وأثبتت التجارب السابقة أن الجيش اللبناني، الذي أوكلت إليه مهمة محورية في تنفيذ الاتفاق، باعتباره الذراع التنفيذية للحكومة اللبنانية، يفتقر إلى الإرادة والقدرة على مواجهة حزب الله. وحتى الآن، تجنّب الدخول في مواجهات عنيفة مع عناصر الحزب، بل تعاون معهم في بعض الأحيان.
كذلك يعاني الجيش نقصاً في التدريب والمعدات والأسلحة اللازمة؛ لذلك، فإن تنفيذ المهمات التي يفرضها الاتفاق يتطلب إجراء إصلاحات واسعة في داخله، وتعزيز قدراته بصورة كبيرة، وإحداث تغيير في استراتيجيته تجاه حزب الله؛ وعلى الرغم من أن الاتفاق ينصّ على ضرورة تقوية الجيش اللبناني، فإن تحقيق ذلك يحتاج إلى موارد مالية ووقت، فضلاً عن ضُعف أداء مؤسسات الدولة اللبنانية وتردّي أوضاعها الاقتصادية، الأمر الذي يمكن أن يعقّد تنفيذ الاتفاق ويؤثر في استعداد المجتمع الدولي لتقديم المساعدة للبنان.
احتمالات تعطيل الاتفاق من جانب إيران: يأتي الاتفاق في مرحلة من التوتر المباشر في المباحثات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب، ولا سيما بعد مذكرة التفاهم التي وُقّعت بينهما في 17 حزيران/ يونيو.
نصّت تلك المذكرة على ضرورة إنهاء حالة الحرب واحترام وحدة الأراضي اللبنانية (من دون القيود الواردة في الاتفاق الإسرائيلي - اللبناني)، كذلك تضمنت اتفاقاً على إنشاء آلية تنسيق لمعالجة الانتهاكات، بمشاركة باكستان وقطر، من دون إشراك الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية.
وكانت إيران أظهرت فعلاً استعدادها للمخاطرة بانهيار وقف إطلاق النار من أجل الحفاظ على نفوذها في لبنان وضمان بقاء حزب الله؛ كذلك لا يمكن استبعاد احتمال أن تدفع إيران حزب الله إلى خرق وقف إطلاق النار في حال واجهت صعوبات في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، وذلك لتبرير تعليق، أو وقف محادثاتها مع واشنطن.
إن سيناريو كهذا يمكن أن يعرقل تنفيذ الاتفاق في الجنوب اللبناني، وخصوصاً في ظل ما يُعتبر حتى الآن تفضيلاً من إدارة ترامب للحفاظ على المصالح الأميركية في التعامل مع إيران، على حساب تقليص النفوذ الإيراني في لبنان.
بقاء قوات الجيش الإسرائيلي في المنطقة الأمنية: ينص الاتفاق على استمرار وجود قوات الجيش الإسرائيلي في المنطقة الأمنية مدةً غير محددة. وربما يؤدي ذلك، ليس فقط إلى اندلاع مواجهات مع حزب الله، الذي يسعى لمنع تنفيذ الاتفاق، وبدأ فعلاً بمحاولة استهداف الجنود الإسرائيليين، بل أيضاً إلى احتكاكات بالجيش اللبناني والسكان المحليين الراغبين في العودة إلى منازلهم؛ ويأتي ذلك في ظل تعرُّض الجنود الإسرائيليين لمخاطر مستمرة، إذ ستكون قدراتهم على تنفيذ عمليات هجومية محدودة، بينما سيتركز دورهم أساساً على المهمات الدفاعية.
دلالات الاتفاق بالنسبة إلى إسرائيل
إن الانسحاب المتوقع للجيش الإسرائيلي، بالتدريج، يستدعي إعادة النظر في انتشار قواته، بهدف بلورة خط دفاعي مرِن يحافظ على حرية عمله من أجل حماية قواته وسكان المستوطنات والبلدات الشمالية، وفي الوقت نفسه، يقلل الاحتكاك بالجيش اللبناني والسكان المحليين بقدر الإمكان؛ كذلك، يقتضي الأمر مواصلة التعاون والتنسيق مع الولايات المتحدة، التي لا بديل من دورها المحوري على الساحة اللبنانية.
المصدر: معهد دراسات الأمن القومي
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية






