البروفسور ميشال فريد الخوري
تبدو جغرافية الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة كأنها قدر سياسي كُتب بالنفط وحُدّد بالصراع المستدام. ففي منطقة تتداخل فيها الأيديولوجيات الدينية القديمة مع التكنولوجيا الحديثة والأسواق العالمية والمصالح الدولية، يبرز مضيق هرمز ليس كممر بحري عادي، بل كصورة فلسفية عن السلطة: من يسيطر على الطريق، يستطيع أن يتحكم بالمصير. فالأهمية هنا لا تتعلق بالمساحة، بل بالدور الذي يلعبه لأنه يشكّل بوابة يخرج عبرها نحو 20 مليون برميل يومياً من المنتجات النفطية كما تشير وكالة الطاقة الدولية، وهو ما يقارب ربع تجارة النفط المنقول بحراً في العالم. من هذا المنطلق، لا يبدو المضيق مجرد مساحة مائية بين ضفتين، بل شرياناً اقتصادياً يربط حياة ومستوى معيشة مدن بعيدة حول العالم بقرار سياسي. لذلك، فإن الحديث عن إيران ومضيق هرمز لا يقتصر على الجانب العسكري أو الاقتصادي، بل يفتح سؤالاً أعمق: كيف يمكن لمكان صغير نسبياً أن يحمل داخله ثقلاً بحجم العالم؟
في القانون: في إطار الأسس الدولية لحرية البحار الذي وضعها وتحدّث عنها هيوغو غروتيوس في كتابه «حرية البحار» وفي اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي وُقّعت عام 1982، والتي تتعلق بحرية الملاحة وقواعد المرور في المضائق الدولية (وَقّعت عليها إيران، لكن مجلس الشورى لم يصادق عليها)، لا يحق لإيران إغلاق أو فرض رسوم عبور على السفن العابرة لمضيق هرمز كما تفعل مصر في قناة السويس أو بنما في قناة بنما. هذا لأن المضيق ممر طبيعي دولي لا تملكه دولة واحدة، ولا يحق للدول المطلة على المضائق الطبيعية عرقلة حركة الملاحة الدولية؛ نفس الشيء يمكن أن يقال عن مضائق طبيعية أخرى مثل باب المندب وجبل طارق وغيرها. أمّا قناة السويس فهي قناة صناعية حفرتها وأنشأتها وتديرها مصر، وتقع كلياً ضمن أراضيها، وهذا ينطبق أيضاً على قناة بنما.
في الأخلاق: التهديدات حول إيران ومضيق هرمز، تطرح سؤالاً أخلاقياً بامتياز: هل يحق لدولة، تحت ضغط الخوف أو العقوبات أو الصراع، أن تهدّد ممراً تعتمد عليه دول وشعوب لا علاقة مباشرة لها بالنزاع؟ هنا يوضح إيمانويل كانط في كتابه «نحو السلام الدائم»، أن الأمن الحقيقي لا يقوم على الردع وحده، بل على نظام قانوني وأخلاقي يمنع تحويل البشر إلى أدوات في صراعات الدول. فإذا تحوّلت السلع التي تُستعمل من البشر كالنفط والغذاء إلى أدوات ضغط، فإن الإنسان العادي في بلد بعيد يصبح هو من يدفع ثمن لعبة جيوسياسية لا أخلاقية لا علاقة له في صنعها.
فلسفة السيطرة على المضيق: في مقالته الشهيرة «المحور الجغرافي للتاريخ» أدرك هالفورد ماكندر أن السيطرة على المواقع الحسّاسة في العالم يمكن أن تغيّر ميزان القوة الدولية. ففي هذه المقالة، حاول ماكندر أن يربط بين الجغرافيا ومصير الدول، معتبراً أن بعض المناطق ليست مجرد مساحات على الخريطة، بل مفاتيح لفهم الصراعات الدولية، ونفهم من منطِقهِ أن المكان الذي يتحكم بالطريق يتحوّل مع الوقت إلى مركز سلطة. أما من منظور ميشال فوكو في محاضراته عن «الأمن، الإقليم، السكان»، لا تعمل السلطة فقط من خلال المنع والقمع، بل أيضاً عبر تنظيم الحركة، والمراقبة، والتحكّم في العبور. وإذا طبقنا هذا التصوّر على مضيق هرمز، وجدنا أن السيطرة لا تعني بالضرورة إغلاقاً كاملاً للممر، بل تعني القدرة على جعل الآخرين يحسبون حساب المرور فيه. فالسفينة التي تعبر المضيق تمر داخل شبكة من الخوف والتأمين والأسعار والرسائل الدبلوماسية، وتحمل معها عدداً من الأسئلة: هل الطريق آمن؟ من يضمن هذا الأمن؟ هل سيعطّل؟ ومن سيعطّله؟
فلسفة السلطة والقوة الجيوسياسية: من المنظور الفلسفي، السلطة لا تقوم دائماً على امتلاك مساحات واسعة من الأراضي أو جيوش ضخمة، بل في القدرة على التأثير في خيارات الآخرين. بالنسبة لتوماس هوبز، في كتابه «الليفياثان»، يعيش الإنسان في حالة خوف حين تغيب السلطة التي تضمن الأمن؛ فعندما يشعر العالم بأن ممراً بهذه الحيوية يُغلق أو يتعرّض للتهديد، يدخل الجميع في منطق هوبز، حيث يصبح الخوف جزءاً من السياسة نفسها. فالدولة لا تحتاج دائماً إلى استخدام القوة، بل يكفي أحياناً أن تُقنع الآخرين بأنها قادرة على استخدامها. بهذا المعنى، تمارس إيران فلسفة «القوة بالموقع» الذي تحدّث عنها ألفرد ماهان في كتابه «تأثير القوة البحرية في التاريخ»، الذي ربط قوة الدولة بقدرتها على التحكّم بخطوط التجارة؛ فإيران لا تمتلك حدوداً على المضيق فقط، بل تمتلك موقعاً تريد من العالم أن ينظر إليها كسلطة تتحكّم بممر بالغ الأهمية. وهنا يظهر الفرق بين القوة التقليدية والقوة الجيوسياسية؛ فالقوة التقليدية تُقاس بالدبابات والطائرات وحجم الاقتصاد، أما القوة الجيوسياسية فتُقاس أحياناً بسؤال واحد: ماذا يحدث للعالم إذا قررت هذه الدولة تعطيل مكان معيّن؟ ومضيق هرمز يمنح إيران هذا النوع من النفوذ، لأنه يحوّل الجغرافيا من مجرد موقع على الخريطة إلى ورقة سياسية ذات فعالية بحجم العالم.
إغلاق المضيق سيف ذو حدّين: هنا تجد إيران نفسها في موقع فلسفي معقّد؛ فهي من جهة، ترى ذاتها دولة محاصَرة أو مهدَّدة من قوى أكبر منها، ومن جهة أخرى تمتلك ورقة ضغط لا يمكن تجاهلها. هنا يظهر فريدريك نيتشه بفكرة إرادة القوة في كتابه «ما وراء الخير والشر»، لا بمعناها المباشر القائم على حب السيطرة فقط، بل سعياً من الفرد أو الجماعة لإثبات الحضور في عالم لا يعترف غالباً إلّا بمن يفرض نفسه. في هذا السياق، تَستخدم إيران المضيق كرسالة سياسية تقول من خلالها: لا يمكن تجاوزي في معادلة الشرق الأوسط. غير أن فلسفة السيطرة تحمل في داخلها مفارقة خطيرة؛ فمن يملك القدرة على إغلاق الباب قد يكون هو أيضاً من يتضرر من إغلاقه. فالممر الذي يمنح إيران القدرة على الضغط على الآخرين هو نفسه ممر تحتاجه إيران للتجارة والطاقة والدخل. لذلك، يبدو مضيق هرمز أشبه بسلاح سياسي ذي حدّين: يمنح صاحبه قوة تفاوضية واضحة، لكنه إذا استُخدم حتى النهاية قد يحرق أيضاً مستخدمه. وهنا تظهر حكمة أرسطو في كتابه «السياسة» على أنها فن يقوم على الإعتدال والتوازن، لا اندفاعاً نحو الحد الأقصى لاستخدام أوراق القوة. فالقوة التي لا تعرف حدودها قد تتحول من وسيلة حماية إلى طريق نحو العزلة والانهيار.
الجغرافيا والتكنولوجيا: من زاوية أخرى، يكشف مضيق هرمز مدى هشاشة النظام العالمي الحالي. فالعالم الحديث الذي يرى نفسه قائماً على التكنولوجيا والأسواق المالية والذكاء الاصطناعي، يعود عند أول لحظة توتر إلى السؤال القديم: هل الطريق سالك وآمن؟ وهنا تظهر المفارقة الكبرى؛ فالحضارة الرقمية بكل تطورها وإنجازاتها، ما زالت تعتمد على ممرات بحرية ضيقة قابلة للإغلاق من قبل أشخاص. فالمصانع وأسعار السفر والبورصات وحتى تفاصيل حياة المستهلك اليومية، تتأثر بممر مائي يقع بين إيران وعُمان. لذلك، يفضح المضيق وهم سيطرة الذكاء الاصطناعي والحضارة الرقمية على الجغرافيا والعالم، ويُظهر أن الكرة الأرضية جسد له شرايين، وإذا ضاق أحد هذه الشرايين اضطرب الجسد كله.
في الخاتمة، يبيّن مضيق هرمز أن القوة لا ترتبط دائماً بمساحة الأرض أو بالقوة العسكرية، بل قد تكمن في القدرة على التحكم في ممر حيوي يغذّي العالم. فهذا المضيق، رغم ضيقه على الخريطة، يمنح الجغرافيا معنى سياسياً واسعاً حيث يلتقي النفط بالسلطة، والقوة بالجغرافيا، ويحوّل الموقع إلى أداة ضغط تتجاوز حجمه الحقيقي. لكن هذه الأهمية الاستراتيجية لا تعني أن لإيران حقاً في إغلاق المضيق أو تهديد حركة الملاحة الدولية؛ فمن الناحية القانونية الدولية، يظل مضيق هرمز ممراً دولياً لا يجوز تعطيله. أما من الناحية الأخلاقية، فإن إغلاقه لا يؤثر فقط في أطراف الصراع، بل يمتد أثره إلى شعوب ودول لا علاقة مباشرة لها به. فعندما تتحول الطاقة والغذاء والأسعار إلى وسائل ضغط سياسي، يكون الإنسان العادي هو من يدفع الثمن. كما يكشف المضيق جانباً من هشاشة العالم الحديث؛ فالحضارة الرقمية والذكاء الاصطناعي والأسواق المفتوحة ما زالت تعتمد في استقرارها على ممرات بحرية ضيقة. ومع ذلك، يتبيّن أن إغلاق المضيق سلاح مرتد على إيران نفسها؛ فهو مَنحها ورقة ضغط، لكنه أدّى في المقابل إلى عزلها والإضرار بمصالحها. لذلك، يبقى مضيق هرمز مثالاً واضحاً على أن القوة الحقيقية لا تكمن في إغلاق الطرق، بل في إدراك حدود السيطرة قبل أن تتحوّل إلى خطر على صاحبها.